وَلِحْيَةٍ ذَاتِ أصْوَافٍ وَأوْبَارٍ * مِنْهَا يُحَاكُ أثَاثُ البَيْتِ وَالدَّار
مِنْهَا مَتَاعٌ إلَى حِين لِصَاحِبِهَا * وَلِلْعِيال وَللإخْوان وَالْجَار
( 293 : 2 )
فلابدّ أن نذكر هنا أنّ المبالغة في الأهاجي الكاريكاتورية لا تقتصر على ملامح الوجه والجسم ، بل نراها أيضا في ما رسمه الشعراء للبخل والثقل وغير ذلك من الأمور المعنوية . فمن التصوير المبالغ فيها ما رسمه أبو نواس لخبز إسماعيل لكي يستمد منه في تصوير بخل صاحبه ، حيث قال :
خُبْزُ إسْمَاعِيلَ كَالْوَشْ - * يِ إذَا مَا انْشَقَّ يُرْفَا
عَجَباً مِنْ أثَرِ الصَّنْ * - عَةِ فِيهِ كَيْفَ يَخْفَى
إنَّ رَفَّاءَكَ هَذَا * ألْطَفُ الأُمَّةِ كَفَّا
فَإذَا قَابَلَ بِالنِّصْ - * - فِ مِنَ الجَرْدَقِ نِصْفَا « 1 »
يُلْصِقُ النِّصْفَ بِنِصْفٍ * فَإذا قَدْ صَارَ ألفَا
ألطَفَ الصَّنْعَةَ حَتَّى * لا تَرَى مغْرزَ إشْفى « 2 »
( 389 )
ومن بديع الأسلوب في سياق الإغراق الذي أسلك فيه الشاعر غرضه الكاريكاتوري الهجائي للعيوب المعنوية ، ما يسعى إليه دعبل وهو أن يقترب بتراكيبه إلى حدود العقل في رسم الواقع بشكل ساخر ، وإن لم يقع في العادة ، ليكون أشد تأثيرا وأيسر في القبول لدى النفس ، كتلك الصورة التي رسمها لبخل مهجوه :
إنَّ هَذَا الْفَتَى يَصُونُ رَغِيفاً * مَا إلَيْهِ لِنَاظِرٍ مِنْ سَبِيلِ
هُوَ فِي سُفْرتَيْن مِن أدَمِ الطّ * ا ئِفِ ، فِي سَلَّتَيْنِ فِي مَنْدِيلِ
خُتِمَتْ كُلُّ سَلَّةٍ بِرَصَاصٍ * وَسُيُورٍ قُددْنَ مِنْ جِلْدِ فِيلِ
فِي جِرابٍ فِي جَوفِ تَابُوتِ مُوسَى * وَالمَفَاتِيحُ عِنْدَ مِيكَائِيلِ
( 156 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 4 )
فبرع الشاعر عندما استخدم أسلوب الإغراق في سياق المبالغة هنا ، فهو وإن بلغ بالوصف
هامش
( 1 ) - الجَرْدق : ( بالفتح ) الرغيف فارسي معرب .
( 2 ) - إشفى : المثقب .