تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
عَلَّقَ اللهُ فِي عِذَارَيْكَ مِخْلا * ةً وَلكِنَّهَا بِغَيْرِ شَعِيرِ لَوْ غَدَا حُكْمُهَا إليَّ لَطَارَتْ * فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ كُلّ مَطِيرِ ألْقِهَا عَنْكَ ، يَا طَوِيلَة ! أوْ لا * فَاحْتَبِسْهَا شَرَارَةً فِي السَّعِيرِ
( 32 : 3 - 33 ) فكما نرى أنّ المبالغة في هذه الأبيات تتجلّى في نداء المهجو بصاحب اللحية الطويلة ، فكأنّ الشاعر غفل عن اسمه وكنيته ولقبه وعائلته ودعاه مبالغة بالطويلة ، وكأنّ لحيته وسيلة وحيدة لمعرفة المهجو ، بل كأنها رمزه وعنوانه وماهيّته . « وقد كان من غلوّ تأثيرها فيه واستحواذها على حواسه ، دون سائر ملامحه ، أن جعلته يهتف بها في دهشته ، هتافا بلغ من القوّة ، أن أخرجه ليس فقط عن عادة البصر والمنطق ، بل عن عادة التعبير والكلام ، إذ امتطى صيغة في اللغة ليست أقل غرابة من تلك اللحية في الناس : " القها عنك يا طويلة " فقد تجاوز في ندائه عن لفظتي " صاحب اللحية " . فعوضا عن قوله " يا صاحب اللحية الطويلة " شطر مباشرة إلى لفظة الطويلة ، فكأنّ اللحية بذاتها لا تعنيه ، ولعل صاحبها ذاته لا يعنيه ، وإنما يحنقه ويستثيره طولها وانثيالها » ( حاوي 502 ) . ولعلّ لحية المهجو لم تكن في ذقن صاحبها بقدر ما هي في عيني ابن الرومي ، فلذلك لا يمكننا أن نفهم هجاء ابن الرومي الكاريكاتوري بدلالته الشائعة أو بمعناه الظاهر ، بل ينبغي أن نستطلع ما وراءه من خلال تحليل عناصر صوره ومنها المبالغة التي تعبّر عن حالة نفسية في داخل الشاعر . إذن نستخلص من ذلك إلى أنّ المبالغة عند ابن الرومي تمثل صدى انفعالياً يحسه الكاتب في نفسه ، وتتحرك به مشاعره وعواطفه ، فيعمد إلى إثارته في نفس المتلقي وفكره . فأساليبه في مبالغاته نابعة من نفسه ومتأثرة بمواقفه وآرائه ، وخاضعة لما تمليه عليه قريحته الفنية والتعبيرية من كلام وخيالات ، مما أدى إلى تباين مستوياتها الأدائية في دقة البيان عن مضمونها ، وغاية الفصاحة في الوصول إلى مغزاها تبعا في ذلك لما تهدف إلى تناوله من أغراض ذاتية أو فنية . ومثل هذه الأبيات في نسق المبالغة ومضمونها الهجائي الكاريكاتوري ، قوله :