تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
الشاعر في تصوير خبزه معلّق بالكوكب يحمى بالرماح والسيوف ؛ فبإمكاننا إرجاع هذه المبالغة في الدفاع عن الخبز لعظمة قدره عند المهجو إلى الإغراق في التصوير ، إذ لا تخرج عن حدود المعقول ، كما يمكننا أن نستشف مما صوّره الشاعر في المصرع الأول شيئا من الغلو في تعليق الخبز بالكواكب . ومن هذا المستوى في المبالغة ما نراه عند دعبل ، لتشويه الملامح الجسدية والمعنوية فقال :
يَا رُكْبَتي خُزَزٍ وَسَاقَ نَعَامَةٍ * وَزَبِيلَ كَنَّاسٍ وَرَأسَ بَعِيْرِ « 1 » يَا مَنْ أُشَبِّهُهَا بِحُمَّي نَافِضٍ * قَطَّاعَة لِلْقَلْبِ ذَاتِ زَئِيرِ « 2 » صُدغَاكِ قَدْ شمِطَا وَنَحْرُكِ يَابِسٌ * وَالصَّدرُ مِنْكِ كَجُؤْجُوءِ الطُّنْبُورِ « 3 » يَا مَنْ مُعَانِقُهَا يَبِيتُ كَأنَّهُ * فِي مَحْبَسٍ قَمْلٍ ، وَفِي سَاجُوْرِ « 4 » قبَّلتُها فَوَجَدْتُ لَدْغَةَ رِيقِهَا * فَوْقَ اللِّسَانِ كَلَسْعَةِ الزُّنبُورِ
( 110 ) فالشاعر قد لجأ إلى المبالغة في التخيّل وتكبير جوانب الضعف وتداخل الأشكال ، وهذه من الشروط التي يجب أن تتوافر في الصورة الكاريكاتورية ، بحيث تحجب الواقع وتغلفه بوشاح مبالغ تلتمس من خلاله حقيقة هجائية ، كما كان « من المهم أن تمتاز الصورة بتداخل الألوان والأشكال ، فالشعر الذي يعتمد الصورة التي تتداخل فيها هذه المظاهر وتتعقّد ، يثير المتذوّق ، ويدفع إلى استحضار هذه الظواهر في نسق خاص على سبيل التوهّم والتصوّر » ( عساف 29 ) . أمّا التشخيص فهو من أهم المظاهر التي استمدّ منها الشعراء العباسيون لصياغة المبالغة في صورهم الكاريكاتورية ، ومن المبالغات التي قد صيغت من التشخيص ما استخدمه أبو نواس في الصورة التي رسمها لبخل مهجوه بشكل ساخر حيث قال :
هامش
( 1 ) - الخزز : ولد الأرنب ، أو الذكر من الأرانب . الزبيل : الوعاء . ( 2 ) - حمى نافض : حمى الرعدة . ( 3 ) - الجؤجؤ : الصدر ( 4 ) - ساجور : خشبة تعلق في عنق الكلب .