تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
فَتىً لِرَغِيفِهِ قُرْط وَشَنْفٌ * وَخَلْخَالانِ مِنْ خَرَز وشَذْرِ « 1 » إذَا فَقَدَ الرَغِيفَ بَكَى عَلَيْهِ * بُكَا الْخَنْسَاءِ إذْ فُجِعَتْ بِصَخْرِ وَدُونَ رَغِيفِهِ قَلْعُ الثَنَايَا * وَحَرْبٌ ، مِثْلُ وَقْعَةِ يَوْمِ بَدْرِ
( 401 ) فيستمد الشاعر من التشخيص في الإغراق ، ليرسم صورة ساخرة كاريكاتورية لرغيف المهجو ، حتى يصور بخله . فيصور الرغيف مدللا له قرط وشنف وخلخالان ، ولكن دلاله هذا يجعله في مأمن من الأكل . وهذه الصورة ممكنة عقلا وإن استحالت عادة . فلا شكّ أنّ فضيلة الشاعر في رسم هذه الصورة إنما هي في معرفته بوجوه المبالغة واستخدام التشخيص فيها ، لمخالفة الحقيقة والخروج عن الواجب والمتعارف ، إلى التضخيم في الصورة لتحقق غرضه الكاريكاتوري . ومن الأمثلة على الإغراق قول ابن الرومي في ما يرسم للحية مهجوه ، إلا أنّه لا يقف عند وصف اللحية بالمبالغة ، بل ينادي باجتثاث كل لحية نراها ، فيبالغ في تصوير اشمئزازه لها ، فكأنّما هي الأفعي السامة التي لابدّ من قتلها . فيقول :
إنْ أنْتَ صَادَفْتَ شَيْخَ سُوءٍ * كَأنّما الذَّقْنُ مِنْه حِبْثَى « 2 » فَاستجرِ الله يَا خَلِيلِي * وَضَعْ عَلَى حَلقِه الهِلَبْثا « 3 »
( 467 : 1 ) وقد تبلغ المبالغة في الصور التي يرسمها ابن الرومي لمهجوه إلى حد أنّه تغافل عن صفاته جميعا ، ولم يلتفت إلا إلى ذلك العيب الذي أراد رسمه ليشبع به ذلك الجوع الهائل الذي يتآكل نفسه عندما شاهد ذلك الرجل . وكذلك من الإغراق في هجائه ، قوله في خطاب المهجو وهو صاحب اللحية الطويلة ، حيث دعاه إلى انتزاع لحيته التي يحقق انتزاعها من ذقن صاحبها وإطعامها للنار ، فقال :
إنْ تَطُلْ لِحْيَة عَلَيْكَ وَتعْرُضُ * فَالْمَخَالِي مَعْرُوفَة لِلْحَمِيرِ
هامش
( 1 ) - الشنف : القرط الأعلى . الخرز : الجوهر . الشذر : قطع من الذهب تلقط من معدنه بلا إذابة أو خرز يفصل بها النظم أو اللؤلؤ الصغار . ( 2 ) - الحبثى : اللحية المرقّشة . ( 3 ) - الهلبثا : سكين اليهود .