وضَيْفُ عَمْرٍو وعمرٌو ساهران معا * عمرو لبطْنَتِهِ والضَيفُ للجُوعِ « 1 »
( 433 : 2 )
فالشاعر لم يقف عند ذكر بخل المهجو ، بل نراه يبالغ في تصوير ما آل إليه حال ذلك البخيل لكثرة الأكل والنهم وحال ضيفه الذي يظلّ ساهرا للجوع ، في نقده له . ولا شكّ أنّ هذه المبالغة لها أثر كبير في عرض المعنى الذي يريد الشاعر إلقاءه إلى المخاطب ، وذلك باستخدام أسلوب التضاد المعنوي بين المهجو وضيفه ، إذ قام الشاعر بتصوير عدم نوم الضيف بسبب الجوع في مقابل عدم النوم الذي اعترى المهجو لكثرة الأكل .
ومن المبالغة التي لم يخرج الشاعر بها عن الواقع والمعقول ، قول أبي نواس في مهجوه ، حيث رسم له صورة ساخرة للهزء به ، فيقول :
لِلْمَقْتِ سَطْرَانِ فِي خَدَّيْهِ مِنْ شَعَرٍ * عُنْوَانُ مَا غَابَ عَنْ عَيْنَيْكَ فِي بَدَنِهْ
كَأنَّهُ قَمَرٌ وَلَّى الْمَحَاقُ بِهِ * فِي لَيْلَةِ التَّمِّ إذْ وَافَى مَدَى حُسْنِهْ
( 404 )
فقد بالغ الشاعر في وصفه للمهجو ، غير أنّه لم يخرج فيه عن حدود العقل والواقع ، وكما نرى أنّ منهج التبليغ عنده ذو ميزة كاريكاتورية ساخرة تظهر فيما رسم لمهجوه إشارة إلى مقدرته البيانية وقدرته التصويرية في هجائه هذا .
ومثل هذه المبالغة في سياق التبليغ ، ومضمونها الهجائي الكاريكاتوري ما تظهر عند دعبل في ما رسم لامرأة ، حيث يقول :
فَوْهَاءُ شَوْهَاءُ يُبْدِي الكَيْدَ مَضْحَكُهَا * قَنْوَاءُ بِالعَرْض ، وَالْعَيْنَانِ بِالطُّوْل « 2 »
لَهَا فَمٌ مُلْتَقَى شِدْقَيْهِ نُقْرَتهُا * كَأَنَّ مِشْفَرَهَا قَدْ طُرَّ مِنْ فِيل « 3 »
( 131 )
ومما يلحظ هنا دقة البناء التركيبي للصورة . ومبالغة الشاعر في هذا البيت من التبليغ في عرض الوصف ، وذلك يتناسب مع ما يسعى إليه الشاعر من صورة هزلية ساخرة لتلك المهجوة .
ومن بديع المبالغة في سياق التبليغ ما يظهر في الصور الكاريكاتورية التي قام ابن الرومي
هامش
( 1 ) - البطنة : كثرة الأكل والنهم إليه .
( 2 ) - فوهاء : كبيرة الفم . شوهاء : عابسة ، وتصيب بالعين . قنواء : مرتفعة الأنف .
( 3 ) - المشفر : الشفة . شبّهها بمشفر الفيل لضخامتها . طرّ : قطع .