تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
فالصورة هنا تنزع في الخارج إلى التضخيم في حدود الواقعية ، كما تنزع في الداخل إلى الإيغال والتعميق . ومن هذه المبالغة ما قال في هجائه لعمرو ، حيث رسم له صورة الكلب الذي لا يتحرّج الشاعر من مقارنته بالكلب ، بل سرعان ما يضعه في مصافه . وقد دفعه وتره إلى المبالغة بفضائل الكلب ونقائص االمهجو ، فلا يكتفي بتحقيره في مقارنته بالكلب ، بل يسرف في ذلك ، حتى ينحط دونه . فيقول :
وَجْهُك يا عَمرو فِيهِ طولُ * وفِي وُجُوهِ الْكِلابِ طُولُ مَقَابِحُ الكَلْبِ فِيكَ طُراً * يَزُولُ عَنْهَا وَلا تَزُولُ فَالكَلْبُ وَافٍ وَفِيكَ غَدرٌ * فَفيكَ عَنْ قَدْرِهِ سُفولُ وَقَدْ يُحَامِي عَنِ المَوَاشِي * وَمَا تُحَامِي وَلا تَصُولُ
( 187 : 5 ) فهذه الصور كلها قائمة على الإيحاء بالمبالغة في صفة موضوعها . وإضافة إلى ما بعثه الشاعر في ألفاظ هذه اللوحة الشعرية الساخرة من تناغم موسيقي ، فالصياغة الكاريكاتورية التي تستخدم فيها المبالغة بصورة واقعية وبتقرير الأوصاف ، هي التي تركت للقارئ أن يتخيّل ما شاء من قبح المهجو ومنزلته التافهة التي لا قيمة لها . فهذه المبالغة وتلك الأوصاف تتمثّلان في هاتين الحقيقتين هما : الطول في وجه عمرو وفي وجوه الكلاب ، ثمّ المقارنة والموازنة بطريقة منطقية ومتسلسلة بين المهجو والكلب اللذين يشتركان في جميع مقابح الكلب ويختلفان في أنّ الكلب ربما تخلّى عن مقابحه ، أمّا المهجو فمقابحه لا تزول ، ويختلفان في تحلّى الكلب بميزات صالحة يفتقر إليها المهجو ، حيث إنّ الكلب واف والمهجو غادر ، والكلب ذو نخوة والمهجو جبان . وبعد هذا الرسم الساخر لشكل المهجو وأخلاقه وعزيمته التفت ابن الرومي إلى أسرته ووصفها بأنها أسرة سوءة . فبالنظر في كل هذه الأوصاف نلاحظ أنّ الشاعر لا يخرج من الواقعية وإن استفاد من المبالغة في رسم شكل المهجو وتفصيل عيوبه وتقديم حججه وبراهينه وأدلته المنطقية . ويندرج تحت هذا المستوى القريب من المبالغة ، بعض الأوصاف التي نراها في لوحات