تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
برسمها ، فمنهج المبالغة في هذه الصور ذو ميزة فنية تظهر فيما يتناوله الشاعرمن وصف وتصوير ، وفيما ساقه من تعبير في سبيل التدليل على مقدرته وبراعته الفنية العالية . فهذه المبالغات هي غاية في الاستخفاف بالمهجو ومنتهىً للسخرية والاستهزاء . كمبالغته في الصورة التي رسمها في هجائه الساخر لرجل أحدب رسما دقيقا حسيا ونفسيا ، حيث يقول :
قَصُرَتْ أخَادِعُهُ وطالَ قَذالُه * فَكأنّه مُتَرَبِصٌ أنْ يُصفعا وكأنَّما صُفِعَتْ قَفَاهُ مَرَة * وأحَسَّ ثانية لَهَا فَتَجَمَّعا
( 11 : 1 ) فإن كانت الصورة التي رسمها الشاعر للمهجو صورة مطابقة على ما وقع في الوجود ، وكانت المبالغة على حد الاقتصاد ، ولكن رسمه على النحو الكاريكاتوري ، وإثارة يقظة حسية في نفس الموصوف وجعله مصفوعا طوال الدهر يحاول أن يتقي صفعه بجمع قفاه على ظهره جمعا متواصلا متصلا ، هو الذي يعطي الموصوف هيئة بالغة في البشاعة والسخرية ، كما يكون ميزان الجودة في المبالغة ، لما يحاول الكاتب من عرض صورة كاريكاتورية ساخرة لذلك المهجو ، فعمد إلى ما يصدقه العقل ويقع في العادة ، وتقبله النفس من أقصى حدود يصل إليه وصف الهيئات والأحوال . وعلى غرار ما دأب عليه الشاعر في تصاويره الساخرة ، فإنّه يستخدم المبالغة في أوصافه للّحية ليرسم تصويرا كاريكاتوريا لها ، وإن لم تكن هذه المبالغة خارجة عن حدود العقل والعادة ، لكنها ترضى نزوع طبع الشاعر إلى سخريته من أصحاب اللحى ليزري بها ويتندّر عليها ، وتتسنى له المقدرة حتى يبدع صورة كاريكاتورية ساخرة لا تخلو من المبالغة رغما عن خلوّها من الغلو والإغراق اللذين نلاحظهما في صوره الأخرى . فنهج على هذا الأسلوب في رسم هذه الصورة الطريفة التي تستبطن معاني لا تتضاءل عمقا عن المعاني التي رسمها باستمداده من الغلو والإغراق والتي تدلّ على ما يضمره ابن الرومي من غيظ لأصحاب اللحى ، فقال :
وَلِحْيَةٍ سَائِلةٍ مُنْصَبَّهْ * شَهْبَاءَ تَحْكِي ذَنَبَ المِذبَّهْ « 1 »
( 175 : 1 )
هامش
( 1 ) - سائلة منصبّه : أي مسترخية منبسطة . شهباء : بيضاء يخالطها سواد . المذبّة : الأداة التي تستعمل لطرد الذباب .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 267 | عبد الغني ايروانى زاده / ليلا جمشيدي