المتنبي لمهجويه ، كقوله في وصف كافور الإخشيدي :
وأَسْوَدَ أمّا القَلْبُ مِنْهُ فَضَيّقٌ * نَخيبٌ وَأمّا بَطْنُهُ فَرَحيبُ « 1 »
( المتنبي 407 : 2 )
وهي مبالغة أتت على دقيق الوصف والتصوير إلا أنّها من الصياغات الخيالية التي كانت قريبة في معناها ومغزاها من الحقيقة في الوصف . ففي رأيي لو أن كافورا أعطى أبا الطيّب حكم مصر كلها لكان خيرا له من أن ترسم له مثل هذه التصاوير الرائعة الخالدة . فحكم مصر ينتهي بانتهاء حياة المتنبي أو كافور ، أما هذه الأوصاف الساخرة فلا ينتهي أثرها بانتهاء هذا أو ذاك وإنما هي باقية خالدة ترددها الأجيال بعد الأجيال .
أمّا قيمة المبالغة في هذه الصور ، إنّما تنبع من رؤيتها رؤية شاملة مع بقية العناصر المكوّنة لخلق الصورة الكاريكاتورية الشعرية ، ودراستها في إطار مجموعة من العلاقات التي تربط هذه العناصر بعضها ببعض وتجعل لها هيئة متكاملة . لأنّ دراسة هذه المبالغة من خلال السياق والتركيب تعطيها قدراً أكبر من الأهمية بعد اكتشاف قيمتها ومكانتها في التركيب الذي يتفاعل مع بقية أجزائه .
5 - 5 - 2 استخدام الإغراق في خلق الصور الكاريكاتورية الهجائية
في بعض الصور الهجائية الكاريكاتورية لدى الشعراء العباسيين نجد لونا آخر من المبالغة يتصف بالقيمة الفنية ، حين يصدر عن حقيقة عقلية لا يتجرد من الأحاسيس والمواقف الشخصية ، ليكون وصفا حسيا من الأحوال المحسوسة ، أو عقليا قائما على الخيال في الوصف ومعتمدا على التجسيد ، فهي مستوى ثان للمبالغة له تأثير كبير في الحصول على غايتهم الكاريكاتورية .
فأشرنا سابقا إلى هذه الحقيقة : بأنّ جلّ اهتمام بشار في مبالغاته يقتصر على التبليغ في رسم الصور ، إلا أنّه قد يخرج عن هذه القاعدة في نوع المبالغة ، إلى أسلوب يعمد الشاعر إلى الإغراق في وصف الصور ، ويكون مع ذلك مقبولا حيث يعبّر عن كوامن النفس . كما يقول :
هامش
( 1 ) - نخيب : مخلوع جبان . رحيب : واسع .