الواقع مطابقة تامة ، إلا أنها تتناسب مع الغاية التي يرنو إليها الشاعر الكاريكاتوري في هجائه وفقا لقول بعض النقاد والباحثين عن مواطن استعمال المبالغة في الشعر ، كما نرى لحازم القرطاجني تفصيلا للمبالغة في الشعر يقول فيه : « إنّ الشعر له مواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الصادقة ، ومواطن لا يصلح فيها إلا استعمال الأقاويل الكاذبة ، ومواطن يصلح فيها استعمال الصادقة والكاذبة ، واستعمال الصادقة أكثر وأحسن ، ومواطن يحسن فيها استعمال الصادقة والكاذبة واستعمال الكاذبة أكثر وأحسن ، ومواطن تستعمل فيها كلتاهما من غير ترجح » ( القرطاجني 85 ) .
إذن فمدار الأمر على مقتضى الحال والتوازن معه . وهذا التوازن ما نجده في المبالغة التي يتسم بها الهجاء الكاريكاتوري ؛ حيث إنّ المبالغة عند الشعراء العباسيين في أهاجيهم الكاريكاتورية ، تمثل قدرتهم الأدبية في النظم وتكشف عن صدق موهبتهم الفنية في المجال الفني والتعبيري ، في نسق بديع ومؤثر يجمع بين جمال التصوير ودقة الوصف ، وإثارة الخيال ، وعمق المعنى ، في قالب لفظي منسجم مع الغرض . فاتخذوها في صورهم الهجائية كعنصر فني وكوسيلة معنوية مؤثرة وبليغة ، تعينهم في إثبات أصالة موهبتهم في خلق الصور الكاريكاتورية ، وتمكنهم من التعبير عن انفعالاتهم ، وتبين عن حدود تفوقهم الأدبية الشعرية على معاصريهم ، فبرعوا في نسج بدائعها وسجلوا بها في صورهم طبيعة البيئة ومقتضيات الزمان وأوضاعه الاجتماعية والسياسية والثقافية ، فتصبح تلك الصور انعكاسا لواقع العصر وأحواله . لذلك تعتبر المبالغة ركيزة أساسية في نسج الإبداع الفني في الهجاء الكاريكاتوري وأهدافه ، إذ تدور في إطارها أحاسيس الشاعر الكاريكاتوري ، وتتجلى في أسلوبها مواقفه الفكرية والذاتية ، كما تجيش بها نفس الشاعر وتحاول تأكيد معانيها وإقناع القارئ بها ، فبها يتحقق إبداع الصور الهجائية الكاريكاتورية التي مفادها الهجاء التام الساخر بالقدرة التعبيرية والتفوق الفني ، في كبرياء أدبي ، وشهادة موثوقة ، ومتأصلة ومعروفة في عمق الأدب العربي ، تحمل اليقين الثابت بوجود الطبع السمح في الأدب والفن ، والنباهة الفطرية لبديع النظم وجميل التصوير .
فبناء على كل هذه الأقوال نستطيع أن نقول : إنّ المبالغة من أهم العناصر المكوّنة
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 264
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٦٤