تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
بالمبالغة ، ويقلل من شأن التفاصيل القليلة الأهمية في منظوره ، ليجعلها مثيرة للضحك والسخرية . والجدير بالذكر هنا أنّ الفنان الكاريكاتوري يحاول دائما أن يستحضر الجوهر الحقيقي الماثل خلف مظهر الشخصية أو القضية الخارجي ، ويركز على الشخصية الحقيقية للإنسان أو القضية الواقعية في المجتمع ، لينزع أقنعة التظاهر من تلك الشخصية أو القضية التي تخفى خلف المظاهر السطحية ، فيفضحها .

5 - 5 المبالغة في الهجاء الكاريكاتوري

لا شكّ أنّ العالم يعرض نفسه علينا في منظومة نسقية من الإشارات والرموز نعتاد عليها ونألفها ، إلّا أنّ الشاعر حين يكسر صورة العالم المألوفة لدينا ويعرضها بالتحوير والتغيير ، نسمى ذلك تشويها أو كاريكاتورا في الشعر . وهذا التغيير والتحوير يتسنى في الهجاء الكاريكاتوري بالمبالغة ، بل هي عنصر واضح فيه ، وتظهر في تصاويره ، لكي تشير إلى الغرض الكاريكاتوري الساخر ، وترضى بها غرور الشاعر الساخر لحقده على مهجويه ، حيث إننا عرفنا أنّ الهجاء الكاريكاتوري يعد نوعا من أنواع الفنون المعتمدة على التصوير الهزلي الذي يسخر من الأشخاص عن طريق التضخيم والمبالغة في أهم ما تتميز به الشخصيات وأطباعها ، أو تختص به القضايا المختلفة . فإن كان الهجاء الكاريكاتوري يعتمد السخرية ويتخذها عموده الفقري في التصوير ، لكنّه يلجأ إلى التضخيم والمبالغة في إبراز هذه السخرية . تلك المبالغة التي تجعل القارئ أو السامع يعيد النظر في ذاك التصوير الذهني الهجائي بقصد استشفاف مزيد من الأبعاد الثانوية خلفه وعلاقته بالمهجو ، كما تجعل هذا النوع من الهجاء أحد الفنون الكاريكاتورية المعتمدة على المبالغة والتنكيت بالصور وفق شاكلة فنية متميزة . فالهجاء الكاريكاتوري هو فن أتقنه الشعراء العباسيون عندما كانوا يصفون شخصية أو قضية ما بكثير من التضخيم والمبالغة التي تشوه الشخصيات والأحداث لتولد الضحكات التي تهدف إلى جعل السامع أو القارئ يمعن التفكير فيما سمع أو قرأ ، مما يعطي أثرا أقوى بكثير مما لو وصف المهجو دون مبالغة ، حيث تتمّ فيها هذه المبالغة بشأن الخصائص غير المقبولة أو غير الاعتيادية إلى حد ما لوجه الأفراد أو لظاهر أجسامهم أو للقضايا الإنسانية أو الاجتماعية أوالسياسية . وهذه المبالغة وإن كانت تضخيما لهذه الخصائص التي لا تطابق