تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
للهجاء الكاريكاتوري واللون البديعي البارز الذي نراه في الصور المرسومة في هذا الهجاء ، سواء أكان ذلك الحضور المبالغ معنويا أم لفظيا في سياقها وتراكيبها ، أم في مضمونها ومعانيها وأغراضها . وهو أمر خرج به الشعراء الكاريكاتوريون عن الواقع والمعقول ، حيث بالغوا في عيوب وجوه مهجويهم وأجسامهم وتصرفاتهم .

5 - 5 - 1 استخدام التبليغ في خلق الصور الكاريكاتورية الهجائية

مما سبق يظهر لنا أنّ المبالغة بأنواعها المختلفة أداة مرنة قد مكنّت الشعراء من الإبداع الكاريكاتوري في الهجاء ، فاستخدموا أنواعها الثلاثة في توليد المعاني الهجائية التي تعتبر من أجمل الصور الكاريكاتورية الشعرية . ومما أفادهم من هذه الأنواع في لوحاتهم الساخرة استخدام التبليغ الذي يطابق القول فيه على ما وقع في الوجود عقلا وعادة ، فيجمل بنا أن نذكر بعض النماذج التي أفاد الشعراء فيها من هذه المحسنة البلاغية التي بينت مدى معرفتهم للعناصر الكاريكاتورية وأثرها في التشكيل الشعري . كما وظّف بشار بن برد هذا القسم من المبالغة في رسم اللوحة المتحركة التي رسمها لبيان بخل مهجوه ، حيث قال :
ولا تَبْخَلا بُخْلَ ابنِ قزْعَةَ إنّه * مَخَافَةَ أنْ يُرجَى نَداه حَزينُ إذا جِئْتَهُ فِي حَاجَةٍ سَدَّ بَابَهُ * فَلم تَلْقَهُ إلا وَأنْتَ كَمِينُ
( 537 : 2 ) فالمبالغة في هذه الصورة المتحركة التي رسمها بشار لبخل ابن قزعة من نوع التبليغ الذي يقترب القارئ أو السامع في تخيله وصورته إلى حدود إطار منظور العقل ، فتقبله نفسه ، حيث تجري المبالغة فيها على الطبع والعادة في حقيقتها وأصلها ، مع الوصول بالوصف فيها إلى أقصى غايات يدركها الفهم ، وأعمق مضامين تستشعرها النفس . فإذا نظرنا في أشعار بشار لاحظنا أنّ جلّ مبالغاته في هذا السياق من قبيل التبليغ ، لعلّه يرجع إلى غرضه الذاتي والنفسي الخاص في عرض مبالغاته في صوره الكاريكاتورية ، وما يطلب من السامع في التصديق ببراعته الأدبية ، والاقتناع بموهبته الفنية الفائقة التي سيطرت رغبة إثباتها على جميع صوره . وكذلك من الأمثلة على ما استخدمه بشار من التبليغ في رسومه الساخرة ، ما نلاحظه في صورة ساخرة رسمها لمهجوه المسمّى بعمرو ، فيقول :