الهزء حتى يسحقان المهجو بعنفهما وإلحاحهما . إلا أنّ ابن الرومي تكاثرت الصور الكاريكاتورية المشوهة في شعره ؛ حيث إنّ الهجاء قد غلب على شعره ، بينما المتنبي لم يكد يلمّ بالصور الكاريكاتورية كما نجدها عند ابن الرومي إلا عبر هجائه الساخر الناقم ، وذلك لأن اللون الغالب على شعره هو الفخر .
5 - وقد تأتي السخرية بسبب الازدواج الكامن في الذات الإنسانية ، الازدواج بين الفكر والعمل ، وبين المثالي والواقعي ، وبين العقل والعاطفة ، وبين الفكرة المجردة والبداهة ( انظر : أدهم 108 ) . فالساخر المتمرد يرنو إلى المثال ولا يقنع بالواقع ، ولهذا يتناول عيوب المجتمع بقوة ملاحظته وبأساليب ساخرة ، يطمح من ورائها إلى ذلك المثال .
ولعلّ الكثير من أهاجي الشعراء الكاريكاتوريين يعبّر غالبا عن هذا الازدواج في الذات الإنسانية ، وعن تنازعهم مع أبناء عصرهم لاختلال المقاييس الوجدانية وفي سبيل تحقيق المثالية في حياتهم . والعداوة بينهم وبين هؤلاء الشعراء ليست عداوة مادية بقدر ما هي عداوة معنوية في مناقضات نفسية خلقية .
6 - وقد تكون السخرية نابعة من حساسية الناقد الساخر نفسه ، حيث يتمتع ببصيرة نفاذة تحس نقائص المجتمع ، وبروح مرح ضاحك تتناول العالم وما فيه بالسخرية ، تقصد من ورائها الإصلاح أو تقصد معالجة هذه الحساسية ( انظر : غراب 33 ) . فالشاعر الكاريكاتوري إنسان ممتاز ومفكر عميق التفكير ، بل هو فنان حاد الإحساس وشاعر واسع الثقافة يصوّر بطبيعته الساخرة ما يراه في مجتمعه من العاهات وما يلاحظه في عصره من النقائص في لوحة شعرية يعبّر خلالها عن نفسه ومجتمعه ، فلا يفصل بين النظم والرسم في اتّخاذ العناصر الكاريكاتورية ، حرصا على تطابق لوحته المنظومة مع ذاته المنفعلة والمتفاعلة مع محيطه ، ليختصر خطابات طويلة في التعبير بالرسم الساخر التجسيدي الذي يشبه بالرسم البصري ويحفل بمواقفه ، ويعالج حساسيته التي تثير حفيظته على من يخالف رأيه لكي يعبث به عبثا لاذعا .
فإنّ لحساسية الشاعر الكاريكاتوري تأثيرها الكبير - دون شك - في إبداعاته التصويرية التي يرتكز كثير منها على إرشاد الناس نحو الحقيقة أو تقويم اتجاهاتهم ومثلهم وربّما التأثير
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 251
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٥١