فنرى أنّ غضبه في هجائه الساخر لكافور ، لم يكن للرذائل التي تمثلت في المهجو ، كالكذب والغدر والجبن والخسة وجعلته تجسيداً للمخازي جميعا فحسب ، إذ كانت هذه القبائح شائعة في عصره وفي الناس ، بل كان معظم غضبه لما يرى في نفسه من رجل العلم والعبقرية والشعر والسياسة ، والحالة أنّه يسجد لذلك العبد الأسود القبيح المنظر الذي تربّع على عرش السلطة وتحكّم بالإحرار ، مع أنّه لا يميز بين البياض والسواد جهلا .
فهجاء المتنبي لكافور لا يشبه هجاء حسّان بن ثابت لقريش ، ولا هجاء جرير للفرزدق أو الأخطل ، ولا الكميت لبني أمية ، ولا هجاء كثير الشعراء لحكامهم أو لخصومهم ، بل هو لوحة كاريكاتورية خالدة على مرّ الزمن ، لم تنقص الأيام عن جمالها ولم تذهب السنون بلونها . ولا شكّ أنّ سر نجاحها وروعتها في المقام الأول صدق عاطفة صاحبها وشدة ثورته ، بل غليان الإحساس بغروره النفسي والشعور بتفوقه العقلي إلى درجة الانفجار .
وإذا كان حبّ المتنبي الكامن الخفيّ لسيف الدولة العربي ، وما لقيه الشاعر في بلاطه على مدة تسعة أعوام من إجلال وإكرام وعزّ ومجد ، وما خاضه من غزوات وحروب ، و . . . ثمّ ما واجهه في بلاط كافور من مؤامرات ودسائس ومواعيد كاذبات ، وسوى ذلك من أمور ، من أهم البواعث لهذه الثورة الشعرية فإنّ الأساس الدفين لسخرية الشاعر من كافور وظهورها في اللوحات الهجائية الكاريكاتورية هو شعوره بتعالي نفسه على المهجو . كما لا نستطيع أن نغضي الأسباب النفسية الأخرى كاليأس والقنوط والإحباط في انهيار مشاريعه العظيمة والنقمة على الأشخاص الملوّنة المخادعة التي أدّت إلى نزعته الهجائية في الشعر واللجوء إلى السخرية في رسم الأوصاف .
وهكذا نرى أنّ المتنبي في بعض أهاجيه يقترب إلى ابن الرومي الذي كان يعتقد أنّ الأغبياء ينعمون في ظل دهر جائر يأخذ حق الكرام للؤماء ، كما أنّ ابن الرومي يلتقي في هجائه بالمتنبي في فخره وغروره . فلقد كان كل منهما يمثل مصير رجل العقل في عصر الجهل والغباء . يتولى ذلك المتنبي في نقمته على ذوي السلطة ، ويتولاه ابن الرومي في نقمته على أصحاب الحظوظ ، وكلاهما خلال هجائهما يتحولان من السخط إلى السخرية
و
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 250
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٥٠