وبناء على هذه الأهمية للسخرية كان الشاعر الكاريكاتوري العباسي صاحب ذكاء جعله يبحث عن الحيلة في معالجة مواقفه وتدبير خططه في مواجهة القضايا التي قد لا يكون بوسعه مواجهتها سوى بأعرق أسلحة البشر وألطفها وهي السخرية ؛ كما يعلم بنظرته الثاقبة وبموهبته الأصلية أنّ هذه السخرية لا تتحقق في رسمه الكاريكاتوري إلا بالمبالغة ؛ لأنّ السخرية والمبالغة في لوحته الشعرية يجب أن يكملا بعضهما بعضا ويحققا المساواة في الفعالية والحيوية ومراعاة قوة الهجاء الذي عليه أن يعكس التناقضات الداخلية والخارجية في الفرد والمجتمع ، فهي بمثابة آلية مواجهة ضرورية للشاعر في الظروف العصبية والأزمات النفسية ، والاجتماعية والسياسية التي أصيب بها المجتمع العباسي ، حيث إنّ السخرية ، تكثر في المجتمع المقهور الذي يعاني ظلما سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا ، كما قال جرير : « شر البلية ما يضحك » ( الدهان 53 ) .
ونستخلص مما سبق في هذا الفصل أنّ السخرية تعتبر من أهم العناصر في تكوين الهجاء الكاريكاتوري وفي أداء رسالته المطلوب في الحياة الإنسانية والاجتماعية والسياسية ، بل هي من أهم ما يدلّ على عبقرية الشعراء الكاريكاتوريين العباسيين ، الذين اعتمدوا على خيالهم العابث في انتقاء الصور الساخرة الهجائية للتنكيل بخصومهم أو للوصول إلى غايتهم في اقتلاع رذيلة من الرذائل ، وإن اختلفت من شاعر إلى آخر بدوافع نفسية ، وظروف حياتهم ، وتكوينهم الخَلقي والخُلقي ، وموهبتهم الفطرية في الطبيعة الساخرة ، ومهارتهم الفنية ومقدرتهم البيانية في رسم الصورة التي تكون أكثر بقاء وخلودا في الذهن من طرق العرض الفنية الأخرى ؛ حيث كانوا من أقدر الشعراء على فهم السخرية وأعرفهم بمرماها ، وأعلمهم بما تتضمنها من انتقادات إصلاحية ، فاستخدموها في رسم صورهم الكاريكاتورية الهجائية ، إذ عرفوا أنّ الهجاء دون الامتزاج بالسخرية ليس إلا هجوما مباشرا فارغا من الابتكار ، كما أن السخرية لا تكتمل إلا بامتزاجها بالهجاء عبر المبالغة في مميزات المهجو الجسدية أو المعنوية .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 254
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٥٤