زوجه وفي تهالك صحته واحتراق بيته وما إلى ذلك . ولقد جعلته هذه الثارات وتلك المصائب يتعامى عن فضائل الناس وحسناتهم ، ويمعن بالتحديث في نقائصهم ومساوئهم يتأملها يعيدها ويستعيدها في كل جهة مشوها ماسخا ليشبع ما في نفسه من حقد وزراية » ( 491 ) . وذلك لأنّ هجاءه لم يكن يتخذه سلاح هجوم بل سلاح دفاع ، دفاع عن النفس من كل المتربصين به والعابثين به ، ومن كل من تمتد يده إليه بسوء أو جور أو اعتداء . وخاصة أنّ التشاؤم كان ملازما لفكره وخياله وتصرفاته ، وإنّه أيضا دمث الخلق ، طيب السريرة لا يعرف إلى المراوغة سبيلا . فهو يريد أن يحيي حياة شريفة ، بعيدا عما راج في عصره من النفاق والمجاملة والرشوة بين الناس من كتاب ووزراء ، فكان يعتقد أنّ السبيل الأشرف للارتقاء إلى هذه المناصب هوالشعر والثقافة .
4 - وقد تتولد السخرية عن تعالي الشخص الساخر لنفسه ولشعوره بالتفوق العقلي والغرور ، فينزع إلى السخرية والغموض وينقد ما يراه في المجتمع من نقائص أو مفارقات ولعل لهذا السبب قال العقاد : « فالعبث والغرور بابان من أبواب السخر ، بل هما جماع أبوابه كافة » ( مطالعات في الكتب والحياة 89 ) .
لطالما التفت بعض الشعراء الكاريكاتوريين إلى أنفسهم يتأملونها ويقارنون بينها وبين هؤلاء المتعاظمين ، فلا يعثرون فيهم على ما يبرر تعاظمهم عليهم ، ونجاحهم دونهم . فيعجبون من أمر نجاح هؤلاء وفشل أنفسهم ، ويعودون إلى أنفسهم من جديد ، يترددون إليها أبدا ، ليستطلعون سبب فشلهم ، فيتعقدون لكثرة التفكير بها ، ويتوهمون من أمرها عجائب الأمور ، خاصة بعد أن توالت عليهم المصائب واعترتهم الغربلة في مشيتهم ، وتولاهم شعور حاد مبرم بالنقص والاختلاف والغرابة . ولقد كان هذا الشعور يلازمهم ، يطأهم ويرهقهم ، ويطبق عليهم بجدار من الغرور ، وهذا الغرور عندما يتسلط عليهم ، يمسخون الناس مسخا ، ويرون جمالهم قبحا ، وفضائلهم نقائصا وسرورهم غباوة .
لعل من يتولى دراسة هجاء المتنبي من خلال وجدان الشاعر ونموه النفسي وصيرورته الخلقية ، يرى أنّ الشاعركان قد دأب في حياته على الاعتداد بنفسه ، منذ صباه الأول ، متجاوزا
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 248
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٤٨