أصله الوضيع وفقره ، وميالا إلى غرور أدّى به إلى ادعاء النبوة . وهكذا « فإنّ الاتجاه الإيجابي في نفسية أبي الطيّب كان الزهو والاعتداد اللذين عبر عنهما في شعره بتلك القصائد الفخرية ، ذات الأنفاس والأجواء الملحمية » ( حاوي 591 ) .
ولقد كان من الطبيعي أن ينزع الشاعر إلى الهجاء عامة والكاريكاتوري الساخر منه خاصة ، نزعته إلى الفخر ؛ لأنّ « الهجاء وبخاصة الوجداني منه ، ليس في الواقع ، سوى وجه آخر من الفخر » ( نفس المصدر 591 ) ؛ إلا أنّ هجاءه يختلف عما نجده في الهجاء الفردي المباشر ، إذ إنّه يعبّر عن نقمة الفرد على المجموع ، وهجائه الاجتماعي ناجم عن فشله في الاستيلاء على مقدرات الناس ، وتحقيق العظمة التي كان يرى نفسه حقيقا بها . وهذا الأمر هو الذي يعلل حقده على الملوك وأصحاب السلطة . فلعل قصيدته التي تصدى فيها الشاعر لهجاء كافور مثل هذه الحقيقة ، حيث يقول :
أريكَ الرِّضى لو أخفَتِ النَفسُ خَافيا * وَما أنا نَفسي ، وَلا عَنكَ راضيا
أمَيناً ، وإخلافاً ، وَغَدراً ، وَخِسَّة * وَجُبناً ، أشَخْصا لُحتَ لي أم مُخازيا « 1 »
تَظنُّ ابتساماتي رَجاءً وغبطةً * وَما أنا إلّا ضاحكٌ مِن رَجائيا
وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَّعل ، إنَّني * رأيْتُكَ ذا نَعْلٍ ، إذا كنتَ حافيا
وَإنّكَ لا تَدري ألونُكَ أسودٌ * منَ الجَهلِ ، أم قد صارَ أبْيَض صافيا
وَيُذكِرُني تَخييطُ كَعْبِكَ شقَّهُ * وَمَشيُكَ في ثوبٍ من الزَّيتِ عاريا « 2 »
وَلَولا فُضُولُ النَّاسِ ، جِئْتُكَ مَادِحاً * بِمَا كُنْتُ فِي سِرِّي بِه لَكَ هَاجِيا « 3 »
فَأصْبَحْتُ مَسْرُوراً بِمَا أنَا مُنْشِدٌ ، * وَإنْ كَانَ بِالإنْشَادِ هَجوُكَ غَالِيا
فإنْ كُنْتُ لا خَيراً أفَدْتُ ، فَإنَّني * أفَدْتُ بِلَحْظِي مِشْفَرَيكَ المَلاهِيا « 4 »
وَمِثْلُكَ يُؤتِي مِنْ بِلادٍ بَعِيدَةٍ * لِيُضْحِكَ رَبَّاتِ الحِدادِ البَواكِيا
( 388 : 2 - 389 )
هامش
( 1 ) - المين : الكذب . المخازي : واحدتها مخزية : الفعلة القبيحة .
( 2 ) - يقول : إنّ تخييطك لكعبك يذكرني بالشقوق التي كانت به والأيام التي كنت بها تمشي عاريا .
( 3 ) - الفضول : تعرض الإنسان لما لا يعنيه .
( 4 ) - لحظي : رؤيتي . المشفر من البعير : بمنزلة الشفة من الإنسان .