وَلِحْيَةٍ يَحْمِلُهَا مَائِقٌ * مِثْلِ الشِّراعَيْنِ إذَا أشْرَعَا « 1 »
تَقُودُهُ الرِّيحُ بِهَا صَاغِراً * قَوْداً عَنِيفاً يُتْعِبُ الأخْدَعَا « 2 »
فَإنْ غَدَا وَالرِّيحُ فِي وَجْهِه * لَمْ يَنْبَعِثْ فِي وَجْهِهِ إصْبَعَا
لَوْ غَاصَ فِي الْبَحْرِ بِهَا غَوْصَةً * صَادَ بِهَا حِيتَانَهُ أجْمَعَا
( 192 : 4 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 15 )
شبه ابن الرومي لحية المهجو بالشراع تدفع به الرياح كما تندفع السفينة به ، وهذه الصورة السافرة أوحت إليه بالصورة الثانية ، فتخيله يغوص في البحر بلحيته ، فتكون عندئذ كشبكة الصائد ولكنها لضخامتها لا تصيد صغار السمك ، بل تصيد الحيتان ، فاعتمد الشاعر على المبالغة التي تثير الضحك والسخرية من خلال استحضار هذه اللحية في الذهن ، كأنها شراع تهب عليه الريح .
ويبدو أنّ مثل هذه الأبيات الهجائية ذات الصبغة الكاريكاتورية القاسية التي احتلت معظم ديوان ابن الرومي ، وجعلته في المكانة الأولى من الرسم الكاريكاتوري المضحك التي اعترف بها النقاد وأهل الأدب ، قد صدرت لديه عن نزوعه الداخلي إلى السخرية التي تعكس غضبه على آفات العصر وعاهاته ، وثأره من أولئك الذين كانوا يعبثون به ، أو يعظّمون شأن أنفسهم بالخدعة والتزوير ، كما تستبطن شعوره بالظلم والاختلال الاجتماعي الذي لم يعطه جدارته ، ولم يقدر استحقاقه ، بل جعله في حضيض العوز والذلّ والخوف وأن يرزح تحت عبء الفشل . فاتخذ هجائه الكاريكاتوري سلاحا رادعا يردع به العابثين ويرد به كيد الكائدين ، ويحاول أن يعيد الاعتبار لنفسه ليطفئ الوحشة الدفينة في وجدانه ، وليدفع الشرّ عن نفسه ، ففي رأيي ليس الهجاء لديه ناجما عن ذاتيته المليئة بالحقد والكراهية والاستخفاف كما يرى إيليا حاوي في قوله : « تراكمت الثارات والأحقاد في نفس ابن الرومي ، كما تراكمت الخيبات والمصائب ، ولقد جعلت ثاراته تحفظه على أولئك الذين تكافأت شخصيتهم ومسهم كيمياء الحظ فثاروا وترفعوا عليه وهم دونه ، أما المصائب فقد توالت عليه في موت ولده وأخيه
و
هامش
( 1 ) - مائق : أحمق
( 2 ) - الأخدع : عرق في جانب العنق .