النزوع الأخير كانا قد احتفظا بشجاعتهما ودعابتهما .
3 - قد يلجأ الأديب إلى السخرية لغرض الانتقام ، عندما لا يكون قادرا على ابراز غضبه على الشخص الذي ينقده لسبب من الأسباب التي تنجم عن الاحتكاك الدائم بين الناس ؛ لأنّ السخرية قد تكون تعبيرا عدوانيا يظهر في قالب مضحك عند اكتشاف ضعف الآخرين أو الاستمتاع بتقليل شأنهم ( انظر : طه نعمان 16 ) . وقد وجد أنّ الصور والرسوم الكاريكاتورية أكثر عدوانية وانتقاما وتكون أكثر إمتاعا وطرافة من غيرها في الأساليب السخرية . ولعلّ شعرائنا العباسيين كانوا قد انتبهوا إلى هذه الحقيقة الفنية ، حيث قد وثبوا بالهجاء والسخر الفني القديم بالأحساب والأنساب ، وما يتصل بهما من العصبيات القبلية إلى رسم الصور الساخرة للمهجوين من خلال مطاعن خَلقية وخُلقية تقوم على تحقيرهم وتصغيرهم والحط من منزلتهم .
فلمّا كان الهجاء هو المادة الأولى من مواد شهرة أكثر الشعراء العباسيين الذين حاولوا الاقتحام في معركته بما أوتوه من ملكة التصوير ولطف التخيل وحدة المزاج وبراعة القدرة على لمح دقائق العيوب واللعب بالمعاني والأشكال ، فليس من الغريب أن يلتقطوا ما صغر وما كبر من النقائص والمساوئ بالتضخيم والتشويه ويعبثوا بمن يتلقاهم بالهجاء عبثا لاذعا أشبه ما يكون صورا كاريكاتورية تترك أثرا بالغا في نفوس المهجويين . فإنّ هذا اللون من أهاجيهم لم يكن يصدر عن مصدر التكسب أو التقرب أو التهديد أو الوعيد ، بل منبع هذه الأهاجي التي تصوّر المهجويين بتصاوير مشوهة ، يمثّل الانتقام للوجدان المعذب والاتئاد للكرامة الممتهنة أو يكون نتيجة اشمئزاز الشاعر لمرأى كل قبيح . ويعتبر هذا الهجاء صورة مشوهة لما تنفر منه نفس الشاعر ، وهو تهويل لمساوئ المهجو ومعايبه ، فيصف القبح وصفا مضحكا ، ويصوره تصويرا ساخرا ، ويلهو به كما شاء ليرضي حاسة النفور في نفسه ، لأنه كان ينفعل من القبح ، فصار يسخر من الناس بذكر المعايب مبالغة ، انتقاما للجمال من القبح ، وانتقاما لنفسه من لؤم المجتمع . ومن الأمثلة على ذلك قول ابن الرومي في صاحب لحية طويلة :
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 246
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٤٦