تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
الخلافة العباسية ، فمن الطبيعي أن يستخدم الشعراء العباسيون الهجاء الكاريكاتوري كوسيلة اتصال بين أبناء المجتمع وكوسيلة كفاح وجهاد ضد نظام الحكم في عصرهم . ولعلّ قتل الشعراء الكاريكاتوريين بأيدي الخلفاء وعمّالهم : كقتل بشّار بيد الخليفة العباسي المهدي واغتيال دعبل بيد عمال الخليفة العباسي المعتصم وقتل ابن الرومي بيد قاسم بن عبيد الله وزير المعتضد وقتل المتنبي بيد قبيلة بني ضبّة لغرض سياسي ، تبرير للجوء هؤلاء الشعراء إلى السخرية في أهاجيهم التي أشبهت بالسم القاتل الذي يسري في جسم الفريسة من غير ضجة ولا ضوضاء ، وشاهد على تلك النقاط السوداء التي لا تمحى عبر العصور في تاريخ الخلفاء العباسيين وعمّالهم ، وهي قتل هؤلاء العبقريين الذين أبوا أن يدلوا بشهادة زور على عصرهم ، فاختاروا طريقهم بنفسهم ودفعوا حياتهم ضريبة اختيارهم . هؤلاء الذين لم يفارقوا هذه الطريقة الساخرة وتلك الدعابة حتى في نهاية حياتهم التي أصروا فيها على الاحتفاظ بكرامة البشرية . كما يروى صاحب الأغاني عن بشار وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أثناء ضربه بالسياط ، فقد كان بشار إذا أوجعه السوط ، يقول : « حَسْ » وهي كلمة يقولها العرب للشيء إذا أوجع ، فبشار عندما قال بعضهم للخليفة المهدي ، وقد أمر بعقابه : « أنظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين يقول : ( حس ) ولا يقول باسم الله » التفت إليه ساخرا قائلا : « ويلك أطعام هو فأسمى الله عليه ؟ » ويقول الآخر : « أفلا قلت الحمد لله ؟ » فيجيب بشار بالروح الساخرة ذاتها : « أو نعمة هي حتى أحمد الله عليها ؟ » فلمّا ضرب سبعين سوطا ، بان الموت فيه ، فألقي في سفينة حتى مات ( انظر : الأصفهاني 715 : 3 ) . وكذلك قصة موت ابن الرومي بيد قاسم بن عبيد الله وزير الخليفة العباسي المعتضد ، حيث تعرّض له ابن الرومي ، فهجاه ، فدس له السمّ في مجلسه ناسيا قيم الشعراء عند العرب وإكرام الضيف وإعزازه ، ولمّا أحسّ الشاعر بسريان السمّ في جسمه نهض ، فقال له الوزير : « إلى أين ؟ » ، قال : « إلى موضع بعثتني إليه ( يقصد الموت ) ، فقال له : « سلّم على والدي » ، فقال الشاعر : « ما طريقي إلى النار » ( ابن خلكان 386 : 1 ) . تصوّروا كيف هذين الشاعرين سخرا من جلاديهما قبيل الموت بلحظات ، وهما في حالة