إلى حين بسبب السخرية . فمن هذه السخرية ما يتجلى في اللوحة الساخرة التي رسمها لأحد مهجويه بقوله هذا :
قُلْ لإسْمَاعِيلَ ذِي الخَا * لِ عَلَى الخَدِّ السِّبَاعِي « 1 »
وَلِذِي الْهَامَةِ قَدْ نَصَّ * - تْ عَلَى مِثْلِ الكُراعِ « 2 »
وَلِذِي الثَغر الَّذِي يُطْ * - بقُ بِالشِّدْقِ التُّسَاعِي
كَانَ إعْرَاسُكَ طُعْماً * للشَّواهِينِ الْجِيَاعِ « 3 »
( 403 - 404 )
فهذه الصورة الساخرة يبتدعها الشاعر بعد إضافة روحه الساخرة أو إعمال خياله الهازئ أو الضاحك فيها . فيصبغه بصبغة فنية كاريكاتورية مثل الفنان الذي يرسم صورة كاريكاتورية ويضعها في لوحة أو إطار ، ويجعلها أمام الأعين .
وهكذا فإنّ تلك النشأة وذاك المجون وهذا الذكاء قد ولدت لديه لونا من السخرية ونوعا من الهزء الدائم ، لكي لا يهجو الآخرين هجاء مباشرا ، بل يمزج هجائه بالسخرية ويشوّه مهجوه تشويها منكرا برسم الصور الساخرة تمثل الرسم الكاريكاتوري اليوم .
فإنّ السخرية عنصر هامّ للعملية الإبداعية الكاريكاتورية عند الشعراء العباسيين . فالإبداع الكاريكاتوري الساخر عندهم يقوم على أساس الخيال والمرونة العقلية والطلاقة في التعبير والأفكار والمواقف النفسية والعلاقات الاجتماعية والسياسية والجدة والتفرد .
2 - قد ترجع الرغبة في السخرية إلى الخوف من السلطة الحاكمة ( انظر : محمد الحوفي ، الفكاهة في الأدب 15 ) ، ولعل هذا السبب من أهم الأسباب ، خاصة إذا كان في التصريح خطر على حياة الأديب ( انظر : محمد عبد الغني 53 ) . فهي حيلة لمقاومة الظلم وانتهاك حرية الرأي والتعبير .
نظرا للظروف القمعية والمضطهدة التي كان يعيش فيها المجتمع العباسي تحت وطأة
هامش
( 1 ) - السباعي : نوع من الورد .
( 2 ) - نصّت : من نصّ العروس : أقعدها على المنصة . الكراع من الإنسان : ما دون الركبة إلى الكعب ، ومن البقر والغنم : مستدق الساق .
( 3 ) - الشواهين : الصقور .