تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
هذا المجون كان استجابة صادقة لروح العصر العباسي التي استثارت فيهم عواطفهم وأحاسيسهم . ولا شكّ أنّ المجون من مقومات السخرية ، حيث إنّ المجانة يمكن أن تكون صنو « اللامبالاة » ، لأنّ الساخر يجب أن يكون لامباليا بمن أمامه ، وإلا ما استطاع أن يجرؤ تلك الجرأة ، وأن يضحك منه بالألفاظ في فن الأدب أو بالرسم من ناحية فن الكاريكاتور . و « كما أنّ الساخر يجب أن يكون قوي الأعصاب ، يحمل في طياته روح اللامبالاة ، أو المجون ، كذلك لابد له من أن يكون على قدر كبير من الذكاء وقوة المخيلة أو الخيال الهازل الذي يمكنه من اقتناص أو ابتداع الصور النادرة التي يستطيع بها إغاظة خصمه من جهة ، وإضحاك نفسه والناس منه ، من جهة أخرى » ( طه نعمان 19 ) . أما ذكاء أبي نواس وغيره من الشعراء الساخرين فقد غذّته النهضة الفكرية والعلمية في ذلك الحين ، ولعلّ هذه النهضة كانت نتيجة حتمية لتشجيع الخلفاء بترجمة الكتب الهندية والفارسية واليونانية والسريانية إلى العربية ، ومراقبتهم لها عن قرب . ولو لم يقم الخلفاء بها ، لعلّ الناس كانوا يسرعون إلى ترجمة هذا الزاد العقلي إلى لغتهم ، لأنّ اقتصارهم على الترف المادي وحده لا يقنع طبيعتهم البشرية ، خاصة في هذه الحقبة من الزمن التي كان الناس يستشرقون فيها الآفاق الجديدة من الحضارة الوافدة والمجد المقبل . إذن لابدّ لروح العصر هذه من نفوس تتمثل فيها ومواهب تشدو بها وتصورها . وقداستجابت لدواعي الحس والمجون والذكاء نفوس كثير من الشعراء والمغنين والموسيقيين ، ومنهم كان أبو نواس ذلك العبقري الملهم الذي استوعب كل هذه المنابع الثرّة وصاغ منها أشعاره وقصائده ، غير أنّ روح العصر هذه لم تتجلّ في صدق وعمق إلّا في هجائه الكاريكاتوري الساخر الذي يكون شعلة لروحه الساخرة ومرحه الإنساني . فأبونواس كان على جانب من الذكاء والفطنة في تخير الإجابة عما يسدد إليه من سهام التحقير والازدراء ، وكل ما يثير الغضب والألم والحنق بكلمات ساخرة لاذعة أو صور ساخرة رسمها بالألفاظ . فإنّها كانت تسري عنه من جهة ، وتفعل فعلها في عدوه أو خصمه من جهة أخرى ، وتشيع فيما حولها جو المرح الذي يؤمنه من غائلة المعتدي ، فتخفّ وطأة غضبه ولو