رسم الصورة الساخرة . كما جاء على لسان طه حسين : « كلّ ما حفظ لنا عن بشار لا يحببه إلينا ولا يعطفنا عليه ، فهو ثقيل حتى حين يضمحل ، وهو ثقيل حين يريد أن يضحك ، ويرضيك ، وهو مرّ في جميع مواقفه ، يأتي بالنادرة المضحكة ، ولكنّك لا تضحك ضحكا صريحا خاليا من كل شائبة وإنما تضحك ، وأنت مستشعر شيئا من الألم ، محس شيئا من المرارة » ( النويهي 128 ) ، فإذا كان صحيحا أنّ سخرية بشار مؤلمة مرّة وأنّه ثقيل في نوادره ، لكنّ هذا الثقل وذاك الإيلام ليسا ذنبه ، بل كما يقول النويهي : هو « ذنبنا نحن بما فينا من نقائص ، يأخذها هذا الساخر أخذا لاذعا » ( 128 ) .
وعلى كل حال يمكننا أن نقول : إنّ التحليل النفسي يفيدنا إلى حد كبير في تحليل المضمون الفني للرسم الكاريكاتوري في الشعر ، حيث يمكننا تحديد صعوبات التعبير ، ويصبح تفسيرها ميسورا مع هذا التحليل النفسي الذي يسمح لنا بتحليل المضمون بتقويم العناصر الفنية الكاريكاتورية ، فهذه التصاوير انعكاس لذاتية الشاعر الكاريكاتوري وما يعتمل في نفسيته ، لكي لا تملي علينا أهواؤنا وأمزجتنا في حبّ هذا الشاعر أو بعض ذاك ، ولا تكون العملية النقدية عندنا مرتبطة بهذا الحب أو تلك الكراهية ، حتى لا نحكم كما حكم طه حسين على بشار بن برد في قوله هذا : « ومهما تكن لبشار الأشعار الجياد البارعة ، فأنا لا أحبه ، ولا أميل إليه » ( نفس المصدر 161 ) ، فلا نستطيع أن نقبل مثل هذه الأحكام وإن كانت صادرة عن عميد الأدب العربي ، بعد ما نعرف هذا المهم في النقد الفني ، وهو أن يكون الناقد موضوعيّا حياديّا ، بعيدا عن أية تأثيرات شخصية ذاتية .
أمّا مثل بشار ، فأبونواس الذي كانت الشبهة تقع على أصله من جهة والده ، فقد نشأ يتيما في كنف أم شغلتها عنه مطالب العيش ، والسعي الدؤوب من أجله ومن أجل إخوته ، واضطرتها الحاجة إلى أن تجعل من بيتها ملتقى لرواد المتعة ، وطلاب اللذة ؛ يجتمعون في منزلها فيشربون ويقصفون ، ويقضون مأربهم تحت سمعها وبصرها ، وربما تحت سمع الوليد وبصره كذلك ( انظر : أبو نواس ، مقدمة الديوان 9 ) . ولعلّ نشأة أبي نواس في هذه الظروف وإلى جانب أمه المستهترة ، هي التي ساقت الشاعر منذ الصغر إلى حياة اللهو والمجون ، ولعلّ
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 242
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٤٢