تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
ورسم له لوحة تثير السخرية والاستهزاء والعجب ، فرسم للمهجو صورة من يكون في حزن وتهجم دائم ، خوفا من أن يقصده أحد لنيل عطائه ، ثم يرسمه وهو يغلق بابه في وجه ذوي الحاجات إن هم قصدوه ، ولا يستطيع أحد منهم أن يلقاه لفرط حذره واعتزاله الناس إلا وهو كمين ، وإذا حدث أن صادفه مسكين وسلم عليه ، طار فؤاده وخرج عن طوره وتظاهر بالجنون خوفا من أن يسأله هذا المسكين حاجة . وهذه اللوحة المتحركة المركبة من صور ساخرة هي التي تزيد من مهانة المهجو والتشنيع به . وكذلك كان بشار يعاني وطأة غرائز ، إذ إنه يميل إلى المرأة ميلا شديدا ، إلا أنها تصد عنه دائما لتشوهه وتنبذه لقبح منظره . ولم يتمكّن من وصال من أحبها من النساء ، كعبدة وأمامة وخشّابة . « ولعلّ استحالة المرأة عليه جعلته يصوّر ما كان يحلم به من أحلام داعرة خلال تلك القصائد التي أطلقها على ألسنة الناس والتي احتيل بها ، فيما بعد ، للغدر به وجلده حتى الموت » ( حاوي 444 ) . فيرى فرويد السخرية تعبيرا عن دوافع جنسية وعدوانية مكبوتة ( انظر : شاكر ، الفكاهة والضحك رؤية جديدة 163 ) ، ولعل السخرية التي تصورها قصائد بشار وأعماله الفنية هي أبرز مثال على ذلك الارتباط بين السخرية وكبت الغرائض والعدوان عنده . وكان بشار يعاني من مشكلة الولاء ، إذ كان العرب يحتقرون الموالي ويعيرونهم ولاءهم ويهازئونهم به ، وقد كان هذا الأمر يضاعف من شعوره بالحسرة والندم ، حيث إنّ القدر قد انتزع منه نعمة الأصل التي قد أغدقها علي غيره ، فلابد له أن يعبّر عما في نفسه من حقد وكره تجاههم ، ويتخذ من السخرية في هجائه لهم منطلقا ومتنفسا لذلك . فهو يذكرهم بماضيهم الذي لم يكن ناصعا ويعيبهم به وبحياتهم البدوية الخشنة والعفنة في الصحراء ، والتي كانوا فيها راعين للغنم ، ويشاركون الكلب في الشرب من إناء واحد ، ويسخر من التحول الذي طرأ على حياتهم فأصبحوا يعيشون في ترف وبحبوبة ، حتى انتهى بهم الأمر إلى منافسة بني الأحرار أي الفرس - والذين يعتبر بشار واحدا منهم . ومن هذا الضرب قوله في ذلك الأعرابي :