تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
طويلا ، جاحظ المقلتين ، قد تغشَّاهما لحم أحمر ، فكان أقبح الناس عمىً وأفظعه منظراً » ( الأصفهاني 645 : 3 ) . لا شكّ أنّ الشاعر لم يكن يبصر جمال الآخرين ، بل إنّ الناس في حمقهم وقساوتهم هم الذين كانوا ينبّهونه إلى هذه العورات المنكرة التي وسمته بها الطبيعة دون أن يكون له ذنب فيه ، فلا غاية لهم في دخولهم عليه سوى الهزء به ومعابثته وطعنه بالمنكر . فهذه الأمور ولّدت لديه مرآة نفسية داخلية تعكس فيها وجهه القبيح ومصيره المنكر ، ولهذا أصبح كثير التضجّر يضيق بالناس وبنفسه . فليس من المبالغة أن نقول إنّ صاحب النقص يصبح حاد الشعور ويصبح قبح منظره أو تشوه جسده عاملا خطيرا من العوامل التي تطبع الشخص بطابع الهجاء ومحاولة تغطية هذا القبح بالتعالي على الناس والمجتمع بالسخرية ، وتصويرهم بصور ساخرة . فلم يكتف بذم المهجو وتجريده من الفضائل والخصال الحميدة ، وإلصاق النقائص به ، بل زاد على ذلك بأن رسم بشعره شخصية غريبة مشوهة كاريكاتورية للمهجو تثير الاشمئزاز أو الضحك ، وقد ذكرت عدة أمثلة تبين ذلك في ديوانه . منها ما يقول في هجاء أبي دلف :
أبو دُلُف كالطَبلِ يذهبُ جَوْفُهُ * وَبَاطِنُهُ خِلْوٌ مِنَ الخَيرِ أخْرَبُ أبا دُلُفٍ يا أكْذَبَ الناسِ كُلِّهِمْ * سوايَ ، فإنِّي في مَديحِكَ أكذَبُ
( سراج الدين 53 ) وهجائه لرجل ثقيل ، يقول فيه :
ربما يَثْقُلُ الجَليسُ وَإنْ كَا * نَ خَفيفاً فِي كفَّةِ الميزانِ كَيفَ لا يَحملُ الأمانةَ أرضٌ * حَمَلتْ فَوقَها أبا سفيانِ
( 528 : 2 ) وعلى نحو قوله في هجاء عبيد الله ابن قزعة :
خَليليَّ مِنْ كَعْبٍ أعِينَا أخَاكُمَا * عَلَى دَهْرِهِ إنَّ الْكَرِيمَ مُعِينُ ولا تَبْخَلا بُخْلَ ابنِ قزْعَةَ إنّه * مَخَافَةَ أنْ يُرجَى نَداه حَزينُ إذا جِئْتَهُ فِي حَاجَةٍ سَدَّ بَابَهُ * فَلم تَلْقَهُ إلا وَأنْتَ كَمِينُ إذَا سَلّمَ الْمِسْكِينُ طَارَ فُؤَادُهُ * مَخَافَةَ سُؤلٍ ، وَاعْتَراهُ جُنُونُ
( 537 : 2 ) فلم يكتف الشاعر بإلصاق صفة البخل بابن قزعة ، ولكنه تجاوز ذلك بأن أقذع في وصفه ،