تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وبناء على هذه المعرفة وذاك الوعي اختار الشعراء الساخرون السخرية وقاموا بعرضها في الهجاء بأسلوب كاريكاتوري متناسق مع براعتهم في الشعر ومنسجم مع ظروف المجتمع العباسي ، حيث تختلف طرق عرض السخرية الفنية من الرسم والتمثيل والأدب شعرا ونثرا ، وتأتي متناسقة مع مهارة الفنان ومواهبه الفنية ، كما تظهر منسجمة مع الغاية الجماعية التي تحققها والظروف التي تستلزم حضورها في المجتمع ، حيث إنّ السخرية تؤلف بين أفراد المجتمع وتزيد من روح التعاطف بينهم ، وتوحدهم في الدفاع عن أثرهم الاجتماعي والديني والأخلاقي ، وتمنح الساخر وفنه لونا من الجموح والحركية ليعبر عن رأي المجتمع ، كما هو الحال عند الشعراء الكاريكاتوريين العباسيين .

4 - 6 بواعث السخرية عند الشعراء في الهجاء الكاريكاتوري

لا شكّ أنّ السخرية في الهجاء الكاريكاتوري قد تختلف من شاعر إلى آخر بدوافع نفسية ، كما تتأثر تأثرا كبيرا بظروف حياتهم وتكوينهم الخَلقي والخُلقي وموهبتهم الفطرية في الطبيعة الساخرة ومهارتهم الفنية في رسم الصورة التي تكون أكثر بقاء وخلودا في الذهن من طرق العرض الفنية الأخرى ومقدرتهم البيانية في رسم هذه الصور بالألفاظ والمعاني . تناول السخرية أيمن العشماوي من جانبيها النفسي والفني ، وربط بين الجانبين وكشف عن دوريهما . فهو يرى أنّ السخرية ظاهرة نفسية وفنية في الوقت ذاته ، تقوم بتشكيلها مجموعة من العوامل النفسية التي تأتي غالبا نتيجة لصراع بين عالم الشاعر الداخلي وبين قوة خارجية يرفضها ويقاومها ، وقد يصل الصراع إلى أقصى درجاته إذا أحس الشاعر بالقهر والظلم ( انظر : خمريات أبي نواس 224 ) ، كما حدث عند بشار بن برد . فالعوامل النفسية التي كانت عند بشار نتيجة معاناته من عاهة العمى ، والوجه المجدور القبيح ، والجسم المتهدل ، وما اختلج في ثنايا نفسه من مشاعر وعواطف مكبوتة ومكابداته من خصومه الذين كانوا يضيقون عليه الخناق ويعيرونه تارة بالمولى وتارة بالعمى وتارة بالإلحاد والكفر والزندقة ، قد انتهت إلى صراع عنيف ظهر من خلال السخرية في هجائه الكاريكاتوري ، لكي تفصح عن شيء مما يعتمل في داخله من الغضب والمرارة والنقمة وتصبح وسيلته لدرء سهام الأعداء و