تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
تستطيع أن تكون بمثابة عمود إنارة يمتد نوره إلى المجتمع بكامله ، ولهذا كان لكبار الأدباء والفنانين ومنهم الشعراء الكاريكاتوريون العباسيون اهتمام بالغ بها ، فلم تكن ليضحكوا بها الجمهور وحسب ، بل ليجعلوها أداة جادة يقاتلون بها أحيانا كثيرة . وكانت للسخرية بهذا الثوب الكاريكاتوري في الهجاء وظيفة تعرف بها قدرات الشعراء العباسيين ؛ إذ إنّ السخرية في صورهم الهجائية الساخرة تمثّلهم السابرين لأغوار النفوس البشرية والعارفين بهموم الناس ومعاناتهم والمهتدين إلى معرفة نزوات القلوب وكيفية إرادتها وتحريكها إلى الوجهة التي يريدونها . فكانوا بارعين براعة فنية أدبية جمالية ، يقدرون على فهم السخرية واستخدامها للتعبير عن مشاعرهم وتسييرها لخدمة مصالحهم ومصالح مجتمعهم واتخاذها لنشر أفكارهم التي يريدون إلقائها إلى الآخرين . ولمّا كان الشعراء الكاريكاتوريون العباسيون من أقدر الشعراء على فهم السخرية وأعرفهم بمرماها وأعلمهم بما تتضمنه من معان ورسائل ثائرة وانتقادات إصلاحية ، ساهمت السخرية في رسم الصور الكاريكاتورية الهجائية في الأشعار سهما كبيرا لكي تعكس آلام الناس الشخصية والسياسية والاجتماعية وتفضح الواقع المرّ والقائمين عليه ، وتقدمه في قالب كاريكاتوري يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجرا في القلب . لقد كان هؤلاء الشعراء يقدّمون أهاجيهم في قالب السخرية ، إذ عرفوا أنّ الهجاء دون الامتزاج بظاهرة السخرية ليس إلا هجوما مباشرا فارغا من الابتكار ، كما أنّ السخرية لا تكتمل إلا بامتزاجها بالهجاء ولاسيّما بوجهها التراجيدي عبر المبالغة في مميزات المهجو الجسدية أو المعنوية ، وعبر تضخيم القضايا السياسية أو الاجتماعية ؛ فلذلك أفادوا من السخرية في رسم الصور الشعرية الهجائية التي تحوّل الغضب إلى البسمة والنقمة إلى الإبداع ، وتحمل الكثير من النقد ضمن نصها . وقد تركوا تراثا أدبيا كاريكاتوريا ضخما أضاف الكثير إلى الثقافة العربية . فالسخرية في هذه الصور ، موقف لشعرائها الكاريكاتوريين ، والتقاط لأبرز المفارقات ، وهجاء للتناقضات ، تدمي روح المهجو في اللحظة ذاتها التي تضحك منها على ضعفه وتخاذله وخساسته وابتذاله .