مباغتا لزلّات المجتمع العباسي وعيوبه ، فكانت سخريته إيجابية وبنّاءة ، لكونها ضد حيثيّات الضعف لأفراد ذاك المجتمع متابعا لسلبياتهم ومفارقاتهم الكثيرة ، ولاسيّما أولئك الذين وعوا دورهم الخطير في المعارك السياسية والاجتماعية ، أمثال : دعبل ، وابن الرومي والمتنبي .
وهذا ما نجده اليوم لدى الفنانين الذين أثبتوا طول الباع في مضمار الفن الكاريكاتوري ويعون حقيقة ، أنّ الكاريكاتور ليس فناً للفكاهة والإضحاك فحسب ، وإنّما هو فن للتمعّن والتأمل في كل ما يحيط بالإنسان وفي باطنه أيضا . ولذلك فهو سلاح فتّاك في كلا الميدانين السياسي والاجتماعي ، حيث يمكنه تعرية وفضح شتّى مظاهر التخلف والفساد والاضطهاد ، من الرشاوي والاختلاسات وأزمات السكن والمواصلات حتى انتهاكات حقوق الإنسان ناهيك عن البؤس الاقتصادي الذي ما زال يضيّق الخناق على الفقراء والمسحوقين . وهنا تتجلى لنا مقدرة الفنانين الكاريكاتوريين في الشعر والرسم في إثارة سخرية المشاهد ، وإيقاظ الحاسة النقدية ، آملين بالتغيير .
ولكن ينبغي ألا يغيب عن البال أنّ التغييرات المنشودة لا تتحقق بمجرّد إشاعة السخرية ، حتى وإن كانت الصور الكاريكاتورية رائعة وجذّابة ، بل تكمن في مهمّة الفنان الكاريكاتوري الصعبة التي تجعل هذه الصور بمثابة تعبير اجتماعي وسياسي داع إلى التغييرات الضرورية .
4 - 7 أسباب السخرية في الهجاء الكاريكاتوري
قد تعرضت للسخرية نظريات نفسية واجتماعية كثيرة من مداخل وجوانب مختلفة ، وفي مراحل تاريخية وعلمية مختلفة أيضا . منها ما ترى السخرية نوعا من القوة ، وتربطها أخرى باللعب ، أو كما يراها وليم دوغل غريزة من الغرائز الأساسية للإنسان ترتبط بمشاعر الضيق والألم أكثر من ارتباطها بمشاعر البهجة والسرور ، وفرويد يربطها بعالم اللا شعور والخبرات المبكرة في مرحلة الطفولة والسعي الغريزي لرفع الكبت والتخلص من شحنات زائدة من الطاقة والتوتر ، وقد تصحب أيضا حالات السيطرة والاستعلاء ( انظر : شاكر ، الفكاهة والضحك رؤية جديدة 168 ) . وبالنظر إلى الدراسات التي قامت بمعالجة السخرية نلاحظ أنّ أسباب السخرية التي أشير إليها هي محصلة لهاتين النظريتين .