ردعهم لينكفئوا عن إيذائه خشية من هجائه الساخر المقذع ، وبها ينفّس عن جميع تلك الكروب التي أحدثتها عاهة العمى بعد أن أقعدته وحدّت من آفاق طموحاته الكبيرة في الحياة ، وبنفس الوقت يحصّن نفسه في قلعة الشعر ومنه الهجاء الكاريكاتوري ويُؤمّن عليها غائلة الحاجة والفقر .
وهكذا إنّ الانفعال النفسي للشاعر الساخر يقوم على الوجد والكره ، والحس والخيال ، ويربط الإبداع الفني بما يوجد في نفسه من معاناته مع المواضيع المختلفة ، وبفيض ذاته بقلق وتوتر يحملانه على التعبير الفني عن مكنوناته . فلهذا نستطيع أن نقول : إنّ الإبداع عند الفنان عموما وعند الشاعر الكاريكاتوري خصوصا ، يتحرّك في المساحة الفاصلة بين النفسية والالتزام الفني والخيال الإبداعي ، وهنا تلعب نفسية الشاعر الكاريكاتوري وذاتيّته دورا بارزا في الإبداع الفني الأدبي . إذ إنّ التغييرات في أسلوب الفن والأدب تعكس طفرات تضاد وتعاكس في الرؤية البصرية للفنان والأديب . فالذات الاستثنائية للفنان هي التي تقوده إلى الأسلوب المعهود عنده حسب غومريش ، فيخلق إبداعاته المتميزة استنادا إلى نفسيته المتجددة ( انظر : غومريش 125 ) ، وعندها ينشأ الفن في العقل الإنساني استجابة لنفسية الفنان ويظهر في أسلوب فني جديد ، كما هو الحال مع الشعراء العباسيين في لوحاتهم الشعرية الكاريكاتورية . فليس من الغريب إذا لاحظنا اعتمادهم في رسم هذه اللوحات على مفاهيم ترتبط بانفعالاتهم النفسية ، وتخدم نزواتهم الذاتية القائمة على السخرية والتعبير بها عن أحاسيسهم ورؤيتهم لجوهر الأمور ، فأبدعوا لوحات شعرية ساخرة تتميز بصدق انفعالاتهم وطلاقة سجاياهم ، تؤدي فيها السخرية دورها ، « إما لتحقق ضرب من التعويض ، أو وسيلة نافعة للتهرب من مشاغل الحياة ومتاعبها » ( شرف 20 ) .
ويمكن أن لا تكون غاية السخرية الفرد في ذاته ، بل تتخذ الفرد وسيلة لمواجهة الظواهر السلبية وهذه قضية اختلف فيها النقاد والأدباء ، فمثلا يرى عبد الحليم حفني أنّ السخرية سلاح اجتماعي ، تحافظ به الجماعة على كيانها ومقوماتها ( انظر : 17 ) ، بينما يرى علي أدهم في السخرية شعورا فرديا ينبعث من أعماق نفس الفرد ، ويندر أن تعم وتصبح شعورا جماعيا ،
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 234
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٣٤