تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
ويدعم وجهة نظره هذه بأنّ السخرية قد تتناول موضوعات أخرى غير الحياة الاجتماعية ، فقد يسخر الإنسان من نفسه ، وقد يسخر من الطبيعة ، وقد يتناول بسخريته الخليقة جميعها ( انظر : 107 ) . أما زكريا إبراهيم فلا ينفى صفة الفردية عن السخرية ، فقد اعتبرها أثرا اجتماعيا لا تخلو من الفردية في جانب منها ، ويربط السخرية بالأثر الناتج عنها ، وهو الضحك ، ويوازن بين حالة الفرد في عزلته ، وحالته مع جماعة ، في اختلاف حدة هذا الأثر ، حيث يجده يقوى ويرتفع بمشاركة الجماعة ، ويبهت ويضعف دونها ( انظر : 62 ) . فلعلّ هذا الرأي هو الأفضل ، لأنّ النظر إلى السخرية كغاية فردية بعيدة عن المجتمع لا يمكن أن يبرأ من الخطأ ، وذلك لأنّ المجتمع بتطوّراته ، وتناقضاته هو الذي أدّى إلى ظهور السخرية بتجلياتها في الفنون المختلفة . وبناء على هذا الرأي يمكننا أن نقول : إنّ هناك طاقة كبيرة في الهجاء الكاريكاتوري لاحتوائه على السخرية ، طاقة في التعبير ومثلها في التوصيل . حيث إنّ الصدمة المترتبة على استماع إحدى القصائد الهجائية الكاريكاتورية أو عن تجسيد إحدى الصور الكاريكاتورية المرسومة في أهاجي العصر العباسي لا تقل أهميتها عما يتركه نقد اجتماعي يقوم به ناقد في مجتمعه أو خطاب سياسي يلقيه قائد جماهيري بين مؤيديه . فهذه الأهمية لفن الهجاء الكاريكاتوري ترتبط برؤية حجم الصدمة التي يتركها هذا الفن في مخاطبيه وقرّائه والباحثين لدراسته ؛ حيث إنّ هؤلاء يبحثون في الحقيقة عن المرايا التي يمكنهم أن يروا من خلالها واقع العصر العباسي . فلا شكّ أنّ الهجاء الكاريكاتوري ليست رسالته الجوهرية الإضحاك حصرا ، وليس هذا اللون من الهجاء الساخر بقصد التنفيس النفسي فحسب ، وإنّما في كثير من الأحيان بمثابة تعبير اجتماعي داع إلى التغييرات الضرورية في عصرهم ؛ حيث رسم الصور فيه يتسم بالطابع الهجائي الساخر بالضرورة ، ويكون الشاعر الكاريكاتوري المبدع ناقدا للمجتمع على كافة مجالاته الثقافية والاجتماعية والسياسية ، ويكون هجائه الكاريكاتوري ملزما بالاختزال ، والاعتماد على التلميحات والإشارات الذكية . والهجّاء الكاريكاتوري القدير كان بطبيعته قنّاصا