بها ، فللسخرية في هجائه الكاريكاتوري علاقة بالمجتمع والفرد ، حيث تصبح إطارا واسعا للتناقضات التي يراها الشاعر في أحوال المجتمع وما مر به من أحداث ، وما استقرّ فيه من عيوب ذاتية واجتماعية ، فيستخدمها كرادع قوي خاصة إذا لم يكن في القانون ما يوجب عقابا ماديا على انحرافات وأخطاء غير مادية . وهكذا قد تخلق السخرية في الهجاء عاملا وقائيا يحجب الشاعر عن مخالفة الإجماع ، خوفا من سخط الآخرين ، وردة فعل غيره .
فالسخرية في الهجاء الكاريكاتوري في مستواه الأعلى أسلوب ذو هدف تصحيحي للعيوب ، ولها وظيفة للتواصل مع الناس ولتحقيق التفاعل بين الأفراد والجماعات ، حيث تعزز التماسك الاجتماعي بنقل المعلومات لتحذير الناس وتكشف عن العيوب وتحدد أنماط السلوك المقبول عبر النقد بالضحك وتعدّل القرارات الخاطئة وتحسّن الظروف السيئة . فيستخدمها الشاعر في هجائه لمهاجمة السلطة السياسية والدينية والاجتماعية ، إذ إنّها من أساليب المقاومة الإنسانية ، ولها قيمتها الكبيرة في الحفاظ على النوع البشري ، كما أنها تعزز العلاقات الاجتماعية وتيسّر تفاعلاتهم الاجتماعية . ولعل لهذا الأمر يعتقد أدونيس معبرا عنه بأنّ السخرية تعتمد في صياغتها على ما يلاحظه الساخر من خلال مراقبته لتصرفات الناس ، كما أنها تخفي رغبة قوية في التغيير ، وحلما بنظام آخر في العالم ( انظر : مقدمة للشعر العربي 40 - 41 ) .
فإذا تأملنا في الأهاجي الكاريكاتورية للشعراء العباسيين من أمثال أبي نواس وابن الرومي وغيرهما نلمس معرفتهم العميقة ووعيهم الصارم لاستخدام السخرية في أهاجيهم ، وأشار أدونيس إلى هذا الوعي ومعنى السخرية عندهم بقوله : « ولكن ، ما هو معنى السخرية العميقة عند هؤلاء الشعراء ؟ إنه الرغبة بالظفر بأشياء بظفر الوعي على ما يحيط به » ( نفس المصدر 40 - 41 ) ، واعتبر السخرية حاجة نفسية تنطلق بإرادة الإنسان ، يريد عن طريقها فهما وإدراكا للأشياء والأمور المبهمة ، حيث إنّ السخرية تصل الإنسان إلى مرحلة من الوعي والانطلاق . ويرى سعد شلبي أنّ الهزلية الرفيعة تنشأ حين تكتشف المعرفة العميقة للحياة ( انظر : 86 ) .
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 232
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٣٢