4 - 5 الهدف من السخرية في الهجاء الكاريكاتوري
إنّ السخرية في الهجاء الكاريكاتوري تقترب من الأدب الرمزي ، حيث إنها تغلف المعاني غلافا ساخرا ، وتخفى الغضب والكراهية وراء الصور المضحكة التي تزيل الهموم المتراكبة عن النفس وتمنح الألفاظ دلالة واسعة في المعنى ، وتعطي القارئ أو السامع مجالا واسعا للتجوّل في عالم التجسيد والخيال . فهذه السخرية جعلت الهجاء الكاريكاتوري أكثر تأثيراً من الهجاء المباشر ، وأن تبث فيهما مشاعر غاضبة ورافضة . وهذا ما يشير إليه ابن الرشيق القيرواني في قوله هذا : « إنّ التعريض أهجى من التصريح ؛ لاتساع الظن في التعريض ، وشدة تعلّق النفس به ، والبحث عن معرفته وطلب حقيقته » ( 849 : 2 - 850 ) . كما يذكر القاضي الجرجاني : أن أبلغ الهجو « ما خرج مخرج التهزّل والتهافت ، وما اعترض بين التصريح والتعريض ، وما قربت معانيه ، وسهل حفظه ، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس » ( نفس المصدر 846 : 2 ) .
إضافة إلى هذا التعريض والمحاولة بالحركة لطرد الآلام والتخلص من العواطف المؤلمة والانشراح للنفس بإثارة الضحك في الهجاء الكاريكاتوري ، تستهدف السخرية فيه مطابقا لجوهرها نقدا للحياة أو تغييرا لبعض الظواهر فيها ؛ حيث تعرض السلوك المعوج أو الأخطاء ، ولاسيّما إذا لم يقتصر الشاعر في عرض العيوب على ظواهر الأمور ، ولا يكتفي بالنظر إلى الأخطاء من السطح ، بل يغوص في الخلل غوصا عميقا ، ويحسن عرضها باعتماده على السخرية كأسلوب بارع ، فحينئذ تصبح السخرية في هجائه سلاحا مميتا متعدد الأطراف ، يزيد من تأثيره وقوة سطوته ، ويوسع دائرة نشاطه . فلهذا قيل : « إنّ الموقف الساخر هو الأليق بواقع الحياة وتناقضاتها » ( العوا 12 ) .
فبما أنّ السخرية هي النقد الضاحك أو التجريح الهازئ ، فنستطيع أن نقول : إنّ هدف الشاعر الساخر منها ولا سيما في أهاجيه الاجتماعية والسياسية هو النقد بالإضحاك ، حيث يتعالى بنفسه عن المجتمع أو الشخص الذي يضحك منه ، ليبين حقده على نقص أو عيب أو حرمان يراه فيه ، وينقد هذا المجتمع أو الشخص بإخفائه لموهبة السخرية التي منحه الله