تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
ولعلّ ظهور السخرية في الصور الشعرية الساخرة في العصر العباسي يرجع إلى ميل شعراء هذه المرحلة إلى ما هو جديد ونظرتهم المتحررة من الماضي ، وتفوّق شعورهم الفردي ، إذ نرى في هذا العصر ظاهرة عامة عند معظم الشعراء من أمثال بشار وابن الرومي وغيرهما وهي الشعور بالغربة والانفصال عن الآخرين ( انظر : أدونيس ، مقدمة للشعر العربي 39 ) . وكذلك يرجع ظهورها إلى الظروف التي غيرت وجه المجتمع العباسي وكانت نتيجة للاضطراب الذي غلب على مناحي الحياة ، لما نشأ من التنازع السياسي والاختلاف في المقاييس الاجتماعية ، والنزاع الفكري والخصام في سبيل اكتشاف الحقيقة ، وعائد إلى بلوغ العقل في هذا العصر ذروة النضج وذلك للتحضّر والاختمار بمعطيات الفلسفة والفقه والعلوم . فأصبحت السخرية من أهم عناصر الشعر في هذا العصر ولا سيما الهجاء الكاريكاتوري أو التصوير المبالغ الساخر في الهجاء وتبعث على الهزء لقوّة الشاعر في التعبير عمّا يصوره ، أو يمسخه ، أو يحاول التعبير عنه . وهي التي أبعدت الهجاء في كثير من الأحيان عن الفحش لتصبح الروح المحيطة به روح أخلاقية بحتة .

4 - 4 دور السخرية في تكوين الهجاء الكاريكاتوري

إنّ السخرية أحد العناصر في تكوين الهجاء الكاريكاتوري ، تعتمد على المبالغة في إظهار بعض خصائص الشيء أو الشخص الممثّل ، وإحداث التشويه والتغيير الشكلي في جملة من أجزاء الصورة لإثارة الضحك . فالسخرية في الهجاء الكاريكاتوري « توظّف لخلق لحظات التسلية والضحك ، كما تعيد بعث الانتباه وتدخل نوعا من الترفيه » ( تشارلز ويليام كريستين 137 ) . ويعتبر هذا العنصر من أهم ما يوظفه الهجاء الكاريكاتوري في أداء رسالته المطلوب في الحياة الانسانية والاجتماعية والسياسية ، إذ هي طريقة من طرق التعبير ، تمتاز بها أشعار الشعراء الكاريكاتوريين . وهي أسلوب متميز ، ضاحك لطيف ، يتسلل إلى ذاكرة المتلقين من القراء أو السامعين وينتقل إلى نفوسهم ، كما أنها أسلوب يعتمد فكرة جادة يدور حولها ، يناقشها ، يحللها وربما يوصف نفسية أصحابها أو شدة ذكائهم . فمن الممكن أن نقول : إنّ السخرية ظاهرة