تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
التصويرية الساخرة ، وذلك لأن المواضيع التي كانت صالحة كمادة للسخرية والمبالغة في التصوير كثيرة ، لا يمكن حصرها في التماثيل والفنون الشعرية والنثرية فحسب ، فإنّ عملية حصرها أو التطرق إليها بشكل مفصل أمر صعب للغاية ، نكتفي بما ذكرناه عنها ، إلا أنّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ العرب كجزء من أجزاء هذه الحضارات فلم يكونوا بمستثنى عنها ، ويبدو أنّ السخرية في الصورة الكلامية لم تظهر بينهم كظاهرة مستقلة في الأدب أو الفن ، بل هي انتثرت قليلة في أدبهم وخاصة في أشعارهم الهجائية ، كما نجدها في شعر امرؤ القيس ، وقريط بن أنيف المزني حيث يتهكم بقومه ، وطرفة بن العبد والأعشى وغيرهم من الشعراء . فلا يمكننا القطع بأنّ هذه السخرية كانت لديهم قليلة أو ضعيفة ، لأنها ضاعت مع الشعر الذي ضاع ولم يصلنا منه إلا القليل . ثم ظهرت في العصر الإسلامي في بعض الأبيات الهجائية الساخرة ، وقد عُرفت عند حسان والحطيئة وغيرهما لكن في حدود ضيقة . أمّا في العصر الأموي مع نمو الهجاء وظهور النقائض التي كانت تُنشد بهدف التسلية والترفيه والإضحاك ، لا تهييج الشر وتحريك الفتنة ( انظر : ضيف ، التطور والتجديد في الشعر الأموي 163 - 204 ) ، فنرى تسرّب السخرية في أشعارهم ، خاصة في شعر جرير بن عطية الذي يعد بحق رائد السخرية في الأدب العربي . ومع ذلك فإنّ ظاهرة السخرية في الصور الشعرية وانتشارها في الأدب العربي لم تبدأ بوضوح إلا ببداية المرحلة العباسية ، حيث بدأت تظهر في أوائل هذا العصر ظواهر أدبية جديدة ، منها الفكاهة التي سايرت الهجاء ، واتجه الناس إلى الفكاهة بغرض التسلية ، وظهرت في الشعر أساليب التندر والتهكم ، وتفنن الشعراء في صوغها ( انظر : فتحي 170 ) فظهرت السخرية نتيجة لهذا الأمر ، وهي ظاهرة بدأت عند كتّاب العصر العباسي ؛ إذ ظهر في قصص « كليلة ودمنة » قدر هائل من السخرية والهجاء العميق للسلطة السياسية على لسان الحيوانات ، وظهر أيضا عند الجاحظ في رسائله وخاصة في رسالة « التربيع والتدوير » وفي كتبه ولا سيما كتاب « البخلاء » ، وكذلك عند الشعراء ابتداء من بشار بن برد حتى أبي العلاء المعري في القرن الخامس ، مرورا بأبي نواس ودعبل وابن الرومي والمتنبي وغيرهم ( انظر : العشماوي ، خمريات أبي نواس 224 ) .