أمّا هذه السخرية فيأخذها الفنان الأديب في عمله الفني ويحسّها قارئ الفن أثناء قراءته ، دون اعتنائهما بتعريفها . ولعلّ هذا يرجع إلى الانتباه بتأثيرها أكثر من تعريفها والعناية بوصف وقعها على الإنسان لا بمحاولة تعريفها بعبارات منطقية محددة .
4 - 3 استخدام السخرية في رسم الصورة ورسوخها عند العرب
إنّ للسخرية أو للميل إلى إثارة الضحك بواسطة الصور المضحكة ، جذوراً عميقة في الطبيعة البشرية ، وهي من أقدم الأساليب التي عالجها الإنسان في حياته البدائية ، وحرص على إثارتها في علاقات بعضهم ببعض حتى قبل أن يصقل الفن والأدب . فقدمة السخرية في الصورة كانت قبل فن الكاريكاتور المتعارف على أنه اختراع غربي ، ويمكن العثور على مواطن ظهورها في الآثار العائدة إلى الحضارات القديمة ، كالحضارة اليونانية والفرعونية والهندية والآشورية والسومرية والفينيقية والبيزنطية في المتاحف والمعابد والعمارات المتبقية منها . فكان فنانوها الذين يزاولون المهن المختلفة يلجأون إلى تشويه المعالم والملامح بشكل يبعث على الضحك في صناعة الأواني المنزلية والمرايا ، وعلى جدران المدافن والأعمدة وزوايا الأسطح وفي صناعة الأقنعة التي تصوّر العفاريت في الأسطورة . ومن الممكن الإشارة بشكل خاص إلى تلك الأقنعة الفخارية المتعلقة بالحضارة الفينيقية في سوريا ، التي تعتمد التشويه في تصوير ملامح الوجه التي تتمثّل في العيون المفتوحة بشكل غير طبيعي ، والأنف المضغوط والفم الأعوج والممدود إلى الجانبين والوجه المغطى بالثآليل والنوام ( انظر : حمادة ، 2 - 6 ) .
ولا تنحصر السخرية في الصور على التماثيل والمنحوتات الجدارية والأواني والأقنعة القديمة ، بل شقّت طريقها إلى الملحمات الشعرية ، والأهاجي الدينية والقصص الشعبية القديمة التي كانت تلجأ إلى إظهار المبالغة في رسم ملامح الأعداء بهدف السخرية منهم والتقليل من شأنهم .
فإنّ السخرية من خلال المبالغة والخروج على المعايير التشريحية في الصورة كانت موجودة في كل الحضارات القديمة ، تبعا لسعة وتطوّر هذه الحضارة أو تلك في مجال الفنون