4 - 1 الضحك والسخرية
إنّ الفنون الساخرة بتجلياتها المختلفة في الشخصيات والرسومات والأشعار والأخبار ، تراث بشري تناقلته الأمم وتوارثته الأجيال وأنس به البشر طوال حياتهم ، فليست هناك أمة لم يكن لها تاريخ في الفنون الساخرة ، حيث إنّ النفس البشرية ميّالة إلى البهجة وباحثة عن الترويح لتغطية الانفعال والاكتئاب ، وهذه الفنون بمجالاتها المختلفة تمنحها من هذه البهجة ما يزيل همومها ومن ذاك الترويح ما يشرح خاطرها .
إذا تأملنا في الدراسات المتعلقة بالضحك والسخرية ، لاحظنا للسخرية فوائد كثيرة بعضها فسيولوجية كالنشاط في الدماغ والجهاز العصبي ، وزيادة ضربات القلب وإفراز هرمون الأدرنالين الذي يعقبه استرخاء ، وتعزيز الجهاز المناعي ، وتحريك عضلات الوجه والقلب والصدر والبطن والحلق وجهاز التنفس ( انظر : شاكر ، الفكاهة والضحك رؤية جديدة 34 ) ، وبعضها اجتماعية يمكن تلخيصها في : تنشيط العقل والإبداع والخيال ، وفهم مطالب الآخرين والتفاعل والتواصل مع الناس والتقرب إليهم ، ومقاومة الاكتئاب والقلق والغضب ، والشعور بالأمان .
ولعلّنا نجد لهذه الفوائد والآثار في تراثنا الإسلامي ما يدعو إلى الابتسام والترويح ، كقول النبي ( ص ) : روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة ، فإن القلوب إذا كلت عميت » ( النويري 1 : 4 ) ، وكقول الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) : روحوا القلوب فإنّها تمل كما تمل الأبدان ( أنظر : ابن أبي الحديد 246 : 18 ) ، وقال ( ع ) أيضا : من كانت فيه دعابة فقد برئ من الكبر ( أنظر : نفس المصدر 267 ) . كما نرى في تراثنا الأدبي دعوة الكثيرين من الأدباء إلى السخرية وذكر أهميّتها في الارتقاء بالخلق وتطييب النفوس ، منهم الجاحظ في كتاب البخلاء ( انظر :