تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
مع العرب في الحقوق والواجبات ، ففي العصر العباسي نرى أنّ الأمر تجاوز أحيانا الدعوة إلى التسوية بين العرب وغير العرب ، ومال إلى تفاخر الموالي بأصولهم غير العربية وملوكهم وحضارتهم العظيمة وبلادهم الثريّة ، وإلى تفضيل أنفسهم على العرب ، وتحقيرهم وسلبهم كل فضيلة . ولمّا كان أكثر أصحاب هذه الحركة من الأدباء والشعراء والكتاب ، نشبت معارك لسانية بين العرب والعجم بدأت بوادرها الأولى في العصر الأموي واتسعت ميادينها وكثرت وقائعها في العصر العباسي . وكان من أسلحة هذه المعارك السياسية ومن نتائجها ، الشعر بعامة والهجاء الكاريكاتوري بخاصة . وكما أشرنا سابقا أنّ بشاربن برد كان من الذين يهاجمون العرب منذ وقت مبكر وينعون عليهم حياتهم ويعالجون قضية الشعوبية من المنظور السياسي بما تتسم به من حقد دفين وضغينة كمنت في نفوس الموالي ضد العنصر العربي . ويحسن أن نقف هنا عند بائية بشار التي نستطيع أن نمثلها تمثيلا للهجاء الكاريكاتوري السياسي ، حيث يرسم فيها صورا يفتخر فيها بالفرس ، ذاكرا مناصرتهم لبني العباس مع ظهور الدعوة العباسية من بلخ وخراسان ويصوّر مؤازرة قومه من الفرس آل النبي وهو يقصد بني العباس . فيقول :
كَمْ لِي ، وَكَمْ لِي مِنْ أبٍ * بِتَاجِهِ مُعْتَصِبِ « 1 » أشْوَسَ فِي مَجْلِسِهِ * يُجْثَى لَهُ بِالرُّكَبِ « 2 » يَغْدُو إلَى مَجْلِسِهِ * فِي الْجَوْهَرِ الْمُلْتَهِبِ مُسْتَفْضِلٌ فِي فَنَكٍ * وَقَائِمٌ فِي الْحُجُبِ « 3 » يَسْعَى الْهَبَانِيقُ لَهُ * بِآنِيَاتِ الذَّهَبِ « 4 » لَمْ يَسْقِ أقْطَابَ سَقىً * يَشْرُبُهَا فِي العُلَبِ « 5 »
هامش
( 1 ) - معتصب : متوج ( 2 ) - الأشوس : شديد الجري في القتال . يجثو : يجلس على الركب . ( 3 ) - الفنك : دابة تتمتع بأطيب أنواع الفراء وأشرفها ، وقد أطلق بشار هنا اسم الدابة على جلدها . ( 4 ) - الهبانيق : الوصفاء من الغلمان ، مفردها هنبق وهنبوق . ( 5 ) - الأقطاب : جمع قطب وهو الشراب الممزوج باللبن .