تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
شُرَط خُوِّلُوا عَقَائِلَ بيِضاً * لا بِأحْسَابِهِمْ بَلِ الاكْتِسَابِ « 1 » مِن ظِبَاءِ الأنِيسِ تِلْكَ اللَّوَاتِي * تَتْرُكُ الطَّالِبِينَ فِي أنْصَابِ « 2 » فَإذَا مَا تَعَجَّبَ النَّاسُ قَالُوا : * هَلْ يَصِيدُ الظِّبَاءَ غَيْرُ الْكِلابِ ؟
( 323 : 1 ) فالشاعر ينتقد في هجائه انشغال الشرطة بملاحقة النساء الجميلات ، بينما هم محافظو الأمن وعليهم السهر على راحة الناس ، وتظهر سخريته في البيت الأخير وفي تعجب الناس وسؤالهم من وصول الشرطة إليهن وليس لهم علو الأحساب أو جليل الأعمال ، بل هم في صورة الكلاب التي يرسمها لهم في الإجابة عن هذا السؤال . وفي موضع آخر يرسم لهم صور أنواع من الحيوانات التي تتخذ من جلودها الفراء الثمينة لينتقد عبثهم ولهوهم وإغراقهم في السكر . فيقول :
أصْبَحُوا ذَاهِلِينَ عَنْ شَجَنِ النَّا * س وَإنْ كَانَ حَبْلُهُم ذَا اضْطِرابِ فِي أمُور وَفِي خُمُور وَسَمُو * رٍ وَفِي قَاقُمٍ وَفِي سنْجَابِ « 3 »
( 323 : 1 ) ومهما يكن من الأمر فإنّنا نرى في هذه الأبيات والصور الهجائية نقدا لاذعا وجّهه الشاعر الكاريكاتوري إلى الرجال السياسية ، وكان ترجمانا عن الحياة السياسية المضطربة في العصر العباسي ، وما حدث فيها من تحول مقاليد الحكم من أيدي ذوي الجدارة إلى أيدي من لم تكن لهم معرفة بإدارة حكومة ولا بنظم سياسية ، ففسدت الإدارة الحكومية فسادا شديدا ، حيث كانت هناك طبقة تغرق في الترف والنعيم وكان جمهور الشعب يعيش في الضنك والبؤس . وفي هذا المجتمع المضطرب المتناقض اهتمّ الشعراء بتصوير هذه الاضطرابات والتناقضات السياسية من خلال أهاجيهم الكاريكاتورية التي تفصح عن مقدرة شعرائها الإبداعية في إبراز احتجاجاتهم عن طريق الصور الشعرية الساخرة التي ترسم بالكلمات والعبارات ، لكي يضفوا على أساليبهم الجمالية صورة كاريكاتورية فيها العمل على تنظيم التجربة الانسانية الشاملة للكشف عن المعنى الأعمق للحياة والوجود .
هامش
( 1 ) - خوّلوا : مُنحوا . عقائل بيضاً : نساء كريمات جليلات . ( 2 ) - الأنصاب : جمع النصب وهو الإعياء والتعب . ( 3 ) - القاقم : حيوان من فصيلة السموريات ورتبة اللواحم ، على شكل ابن عرس وأكبر منه تفوح منه رائحة كريهة .