تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وكذلك رسم لموظفي الحكومة من كتّاب الخلفاء صورا ساخرة ، فلاحق أحدهم وهو كاتب المأمون أبو عبّاد « 1 » فسفّهه ، وصوّره في مشهد متحرك ، ربط فيه بشاعة المهجو بفشله في أموره ، حيث جعله عاريا ملطّخاً بالحبر ، وهائجا يجرّ السلاسل خلفه ، فيقول :
أوْلَى الأُمُورِ بِضَيْعَةٍ وَفَسَادٍ * أمْرٌ يُدَبِّرُهُ أبُوعبَّادِ خِرْقٌ عَلَى جُلَسَائِهِ فَكَأنَّهُمْ * حَضَروا لِمَلحَمَةٍ وَيَوْمِ جِلادِ يَسْطُو عَلَى كُتَّابِهِ بِدَواتِهِ * فَمُضَمَّخٌ بِدَمٍ وَنُضْحِ مِدَاد « 2 » وَكَأنَّهُ مِن دِيْر هِزقِلَ مُفْلِتٌ * حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأقْيَادِ « 3 » فَاشْدُدْ أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ وِثَاقُه * فَأصَحُّ مِنْهُ بَقيِةُ الْحدّادِ
( 91 ) وفي موضع آخر من ديوانه جعل أبا عباد أحد أركان الضعف في بيت الخلافة ، يقول :
مَا لِلْخَلِيفَةِ عَيْبٌ * إلا أبُو عَبَّادِ قِرْدٌ بَنُوهُ قُرُودٌ * تَأوِي إلَى قَرّادِ
( 93 ) فالشاعر يلجأ في هجائه لأبي عبّاد إلى رسم صورة القرد له وصورته هذه تشبه بالكاريكاتور الحيواني المقنّع الذي يوظف الحيوانات لغرض جعل الشخصيات مقنعة بها كرمز لشخصية ويستعمل هذا الصنف حينما يريد إعطاء حكم على شخصية ( كريستين 50 ) . ومثل هذه الصورة النمطية في الهجاء الكاريكاتوري السياسي ، ما رسمه ابن الرومي لصاعد بن مخلد من صورة ذئب لا يُؤْمَن على رعيته . فيقول :
رَعَى هَذَا الأنَامَ فَكَانَ ذِئْباً * أحَصَّ وَمَا الذِّئابُ وَمَا الرّعَاءُ ؟ « 4 »
( 32 : 1 ) فلابدّ للسامع أو القارئ أن يغوص في أعماق هذا النوع من الهجاء الكاريكاتوري ويظفر بمعنى أعمق وأدق من المعنى الظاهر ، حيث إنّ التصوير النمطي ينبض بالحركة والحيوية ، و
هامش
( 1 ) - أبو عباد : هو ثابت بن يحيى بن يسار ، أبو عباد الرازي ، كاتب المأمون ، ولد سنة خمس وخمسين ومائة ، وتوفي سنة عشرين ومائتين ، كان كاتبا سريع الحركات كتب للمأمون ووزر له وكان متسرعاً متهوجاً . ( 2 ) - النضح : رش الماء . ( 3 ) - دير هزقل : أصله هزقيل ، ثم نقل إلى هزقل وهو دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرمة راجع معجم البلدان 540 : 2 ) ( 4 ) - الأحص : الذي لا خير فيه .