تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
يبعث الحياة في تجسيد الصورة ويمدّه بالطاقة وقوة التأثير في النفس . فالاتجاه إلى معنى ذاك الرمز المكنون في الصورة النمطية ، يعني الاتجاه إلى روح الشعر . وطبعا لهذا الأمر يلعب هذا النوع من التصوير دورا كبيرا في تكوين الهجاء الكاريكاتوري ، نظرا لما يبعثه من قيم تعبيرية ودلالية تجسم المعنى وتتعمق فيه ، وتسبر أغواره . نظرا لتنوع الصور الكاريكاتورية ، فإضافة إلى هذه الصور النمطية ، نرى في ديوان ابن الرومي صورا أخرى تحتوي نقدا كاريكاتوريا ساخرا لرجال السياسة ، منها ما رسمه لإسماعيل بن بلبل من نقد لاذع ، عندما كشف نهبه لأموال الدولة ، من خلال مقارنة حاضره بأمسه . فيقول :
وَشُيِّدتِ القُصُورُ لَهُ * وَكَانَتْ قَبلُ أكْوَاخَا وَصَارَ أخَسُّ مَنْ مَعَهُ * لَهُ عِشْرُونَ طَبَّاخَا وَكَانَتْ أمُّهُ كَمَّا * خَةً وَأبُوهُ كَمَّاخَا « 1 » عَجِبْتُ لِمَنْ رَأى هَذَا * بِعَيْنَيْهِ فَمَا سَاخَا إلَى اللهِ الصُّراخُ فَهَلْ * يُحِيرُ إليَّ إصْرَاخَا عَدمْت المُلْكَ إنَّ لَهُ * لأوْضَاراً وَأوْسَاخَا
( 107 : 2 ) فالشاعر يسخر من انقلاب الحال وتغيرها ويدعو الناس إلى تأمّل ما وصل إليه الوالي إسماعيل بن بلبل ، فبعد أن كان لا يملك شيئا ، أصبح يملك القصور والخدم والطباخين ، ولم يقف الأمر عنده بل نال من نصيبه كل من كان يتّصل به أو يتقرّب منه . ومما تجدر ملاحظته أيضا في نزعة الشعراء إلى موضوع الوزراء في معالجة الهجاء الكاريكاتوري السياسي ، انتكاس الوزارة بعد أن كثرت الرشوة وعم معه الظلم وعمت مصادرة الأموال . فعلى سبيل المثال في عصر المقتدر « توالى على الوزارة اثنا عشر وزيرا ، ومنهم من تولى الوزارة مرتين وثلاثاً ، وكل وزير يصادر الذي قبله ويعمل كل ما في وسعه لينهب أكثر ما يمكن من أموال الدولة » ( الضيف ، العصر العباسي الثاني 430 ) . وكان من الطبيعي بعد
هامش
( 1 ) - الكمّاخ والكمّاخة : من كمخ بأنفه : إذا شمخ بأنفه تكبرا ، والكماخ : الكبر والتعظم .