حدوث هذا الانتكاس لأداة الحكم أن يسلّط الشعراء على هؤلاء الوزراء سهام هجائهم .
ومن الوزراء الذين تناولهم الشعراء في صورهم الكاريكاتورية ، أبو الصقر الذي استوزره الموفق ( انظر : ابن الطقطقي 228 ) ، وأعلى من شأنه . فينتقده ابن الرومي بهجائه الساخر ، وعن طريق رسم صورة مضحكة له ، يعتقد بأنه احتل منصبا لا يستحقه ، وانتحل نسبا غير نسبه . فيقول :
عَجِبَ النَّاسُ مِنْ أبِي الصَّقْرِ إذْ وُلْ - * لِيَ بَعْدَ الإجَازَةِ الدِّيْوَانَا
وَلَعَمْرِي ، مَا ذَاكَ أعْجَبُ مِنْ أنْ * كَانَ عِلْجا فَصَارَ مِنْ شيْبَانَا « 1 »
إنّ لِلْحَظِّ كِيمِيَاءً ، إذَا مَا * مَسَّ كَلْباً أحَالهُ إنْسَانَا
( 297 : 6 )
فيرسم لأبي الصقر صورة كلب ، حوّله الحظ إلى إنسان ، كما يرسم له صورة حمارالوحش السمين القوي ، باستخدامه لكلمة « علج » التي تدلّ في ظاهرها على الرجل الضخم من كفار العجم ، فإنّها كناية عن تسلّط إنسان على مقاليد الحكم وأمور الدولة ، يشبه البهائم التي لا تدرك ولا تعقل .
وفي موضع آخر يقول :
مَا بَالُ فَرْخ أبُوهُ بُلْبُلٌ قَمْلٌ * يُكَنَّى أبَا الصَّقْرِ يَا أهْلَ الدَّوَاوِينِ ؟
عَرُّوهُ مِنْ كُنْيَة لَيْسَتْ تَلِيقُ بِهِ * يُكْنَى أبَاالصَّقْرِ مَنْ كَانَ ابْنَ شَاهِينِ
( 297 : 6 )
فالشاعر يتلاعب بالمهجو من خلال رسم صورة فرخ له ينتهي إلى السخرية منه والازدراء به ، إذ يرى أنّ اسمه لا يليق به لأنه فرخ ضعيف ، بينما اسمه يحمل دلالة فيها شموخ وإباء لا يستحقهما .
أما الشرطة أيضا فلم يسلَموا من الصور الكاريكاتورية التي رسمها ابن الرومي لموظفي الحكومة . فأشار إلى دورهم السلبي في المجتمع وانغماسهم في الملذات وترك الواجبات ، فأصبحوا يلهثون وراء نزعاتهم الذاتية ومصالحهم الفردية . فيقول :
هامش
( 1 ) - العلج : الرجل الضخم من كفار العجم ، وبعض العرب يطلق العلج على الكفار مطلقا ، وتأتي بمعنى حمار الوحش السمين القوي .