تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وفي موطن آخر من ديوانه شارك العباسة ابنة الخليفة الراحل ( المهدي ) في رسم صورة كاريكاتورية ليسخر من جعفر ، بلغة النصح والإرشاد للخليفة الأمين ، فيقول :
ألا قُلْ لأمِينِ اللّ - * - هِ ، وَابْنِ القَادَةِ السَّاسَهْ إذَا مَا نَاكثٌ سِرَّ * كَ أنْ تُفْقِدَهُ راسَهْ فَلا تَقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ * وَزَوِّجْهُ بِعبَّاسَهْ
( 392 ) فتجلّت البؤرة الكاريكاتورية في البيت الثالث ، ولاسيّما أنها تتميز بالحركة التي تعتبر خاصية في الفن الكاريكاتوري ، فرسم الشاعر العباسة كنذير شؤم ووبال ، وجعل تزويج المهجو إيّاها أسوأ عقاب له ، وبهذا المعنى ترك الشاعر السامع أو القارئ حرّا في تجسيد صور كثيرة ، كان يإمكانه أن يلصقها بالعباسة . وفي مكان آخر من ديوان أبي نواس ، نرى تصويرا ساخرا مبتكرا ومتحركا في هجائه للخصيب ، حيث جعل الثياب تبكي عليه بكاء شديدا ؛ خوفا من كلب يجرّها لرثاثتها ، فيقول :
نَفسُ الْخَصِيبِ جَمِيعُهُ كِذْبُ * وَحَدِيثُهُ لِجَلِيسِهِ كَرْبُ تَبْكِي الثِّيَابُ عَلَيْهِ مُعْوِلَةً * أنْ قَدْ يَجُرُّ ذُيُولَهَا كَلْبُ
( 403 ) فنرى أنّ الشاعر يعمد إلى التشخيص والتركيب في بكاء الثياب ، أي ايجاد صيغة لعلاقة متداخلة بين عنصرين لا يجتمعان في الطبيعة عادة ، وهما البكاء الذي يكون من خصائص الإنسان ونسبته إلى الثياب وهي من الجمادات . فهذا التداخل المفتعل أو المقصود ، يضرب ما هو مألوف في الواقع ويثيرنا على الضحك . أما دعبل أيضاً فلا ينحصر هجاؤه الكاريكاتوري في الخلفاء ، بل نرى أنّه يتناول الوزراء بالصور الهجائية الكاريكاتورية ( انظر : الملحقات 2 : الرسم البياني 9 ) ، ومنهم أحمد بن أبي خالد ، فلمّا ولى الوزارة في أيّام المأمون قال فيه دعبل :
كَأنَّ أبَا خَالِدٍ مَرْأَةٌ * إذَا بَاتَ مُتَّخماً قَاعِدا يَضِيقُ بِأوْلادِهِ بَطْنُهُ * فَيَخْرَاهُمُ وَاحِداً وَاحِدا فَقَدْ مَلأ الأرْضَ مِنْ سَلْحِهِ * خَنَافسَ لا تُشْبِهُ الوَالِدا
( 86 )