أمَّا النَّهَارَ فَنَخْمَاتٌ وَقَرْقَرَةٌ * وَاللَّيْلَ يَأوِي إلى الْمِزْمَارِ وَالعُودِ « 1 »
( 166 : 2 )
وكذلك ما رسم لأقرباء يعقوب بن داود ، حين يلفت النظر إلى شكل من أشكال الفساد وهو حصر وظائف الدولة في أيدي من لا يجدر بها ، فكان يعرب عن ضجره وضيقه بصالح بن داوود الذي ولاه الخليفة المهدي البصرة ، وهو أخ ليعقوب بن داود ، فخاطب يعقوب قائلا :
هُمُ حَمَلُوا فَوْقَ الْمَنَابِرِ صَالِحاً * أخَاكَ فَضَجَّتْ مِنْ أخِيكَ الْمَنَابِرُ
( 404 : 2 ) و ( انظر : الملحقات 1 : الرسم الكاريكاتوري 13 )
فالشاعر في هذا البيت يرسم المنابر وهي تمقت المهجو وترفضه لسوئه وثقله ، فيلجأ إلى أسلوب التشخيص في رسم تصويره الكاريكاتوري الذي يرسمه لصالح وهو غير مقبول للناس .
ولعل الصورة التي رسمها أبو نواس في هجائه لجعفر البرمكي من خلال قصيدته في مدح آل الربيع ، من أجمل الصور في هذا المجال ، خاصة أن هجائه هذا كان نذير شؤم على البرامكة . فقال :
عَجِبْتُ لِهَارُون الإمَامِ ، وَمَا الَّذِي * يَوَدُّ وَيَرْجُو فِيكَ يَا خِلْقَةَ السِّلْقِ « 2 »
قفاً خَلْفَ وَجْهٍ قَدْ أُطِيلَ كَأنَّهُ * قفا مَالِكٍ يقْضِي الْهُمومَ عَلَى ثَبْقِ « 3 »
أرَى جَعْفَراً يَزْدَادُ بُخْلًا وَدِقَّةً * إذَا زَادَهُ الرَّحْمَنُ فِي سِعَةِ الرِّزْقِ
وَلَوْ جَاءَ غَيْرُ البُخْلِ مِنْ عِنْدِ جَعْفَرٍ * لَمَا حَسِبَتْه النَّاسُ إلا مِنَ الْحُمْقِ
( 391 - 392 )
فنرى في هذه الصورة أنّ الشاعر مسخ المهجو وشوهّه ، من خلال تجسيد وجهه بالطول الذي نراه في وجه الذئب . فظهرت براعة الشاعر في امتزاج هذه الصورة الساخرة بتحذير الخليفة الرشيد من البرامكة ، ونلمح هذا التحذير في ما رسم لجعفر من صورة ذئب خال من الأفعال الكريمة ، لأنّ الذئب لا يؤمن على حال .
وكذلك قد رسمه في صورة كلب عقور ، شديد البخل ، يزهو زهوا فارغا ، لا يعادل زهو الذباب على القمامة ، حيث قال في هجائه :
وَأعْظَم زَهْواً مِنْ ذُبَابِ كُنَاسَة * وأبْخَلُ مِنْ كَلْبٍ عَقُورٍ عَلَى عِرْقِ
( 392 )
هامش
( 1 ) - القرقرة : من قرقر البطن : صوّت .
( 2 ) - السلق : الذئب .
( 3 ) - الثبق : سرعة اندفاق الدمع من العين .