تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
بِأجْسَامٍ يَحَرُّ القَتْلُ فِيهَا * وَمَا أقْرَانُهَا إلا الطَّعَامُ
( 231 : 1 ) ومما تجدر ملاحظته في هذا اللون من الهجاء الكاريكاتوري تلك السهولة التي نلمسها في فهم الأبيات بسبب تجسيد الصور ، فكأنّها تتدفق على السجية دون التواء أو إمعان فيه ، فالصورة في هذه الأبيات تؤدي دورا مميزا لما تبعثه من حيوية وحركة قد تقصر اللغة في إطارها العادي عن أدائها ، فلا يجد القارئ أو السامع صعوبة في الوصول إلى معاني الشاعر ومراميه . والشاعر الكاريكاتوري في هذا اللون من الهجاء استطاع بقوة ملكته الشعرية وقدرة خياله الخصب أن يتقن تصويره لانعكاس صورته النفسية المليئة بالكره والحزن ، فظهرت مشاعره دون تكلّف ودون تستّر ومؤاربة .

3 - 4 - 3 - 2 - موظفو الدولة

إن الهجاء الكاريكاتوري السياسي لدى الشعراء العباسيين لم يقف عند حدود كونه صورا ساخرة للخلفاء أو أن يعكس موقف الشعراء من أعمالهم السلبية ، بل تابع هؤلاء الشعراء بهذا اللون من اللهجاء ، ملاحقة الظواهر السلبية في بقية أركان الحكومة وربطها بمسبباتها وأصحابها ، كما حاولوا في بعض الأحيان الانتقال من مرحلة تشخيص الحال إلى مرحلة المعالجة ، فبرز لديهم حس الحث والتحريض على مقابلة تلك الظواهر ورد الأذى عن المستضعفين . وكثيرا ما كان الشعراء يتناولون الوزراء وموظفي الحكومة بالهجاء الكاريكاتوري ، وينتقدون إهمال الدولة لمحاسبتهم ومراقبة موظّفيها ، ويعبّرون في أهاجيهم عن استيائهم من تفويض الأمور إلى هؤلاء الموظفين وتسليمهم الدواوين ، وتقديمهم على غيرهم دون متابعة ومراقبة . ومن ذلك قول بشار بن برد في هجاء يعقوب بن داود وتعجّبه من الخليفة المهدي ، كيف سلّم مقاليد أموره له وجعله وزيراً ، وهو يقضي النهار في السعال والتجشؤ ، ويقضي الليل في الغناء مع الطرب والخمر ، فيقول :
للهِ دَرُّكَ يَا مَهْدِيُّ مِنْ مَلِكٍ * لَوْلا اصْطِنَاعُكَ يَعْقُوبَ بنَ داودِ