تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
أُرِيكَ الرِّضَى لَوْ أخْفَتِ النَفْسُ خَافِيا * وَمَا أنا عَنْ نَفْسِي ، وَلا عَنْكَ رَاضِيَا أمَيْناً ، وَإخْلافاً ، وَغَدْراً ، وَخِسَّةً * وَجُبْناً ، أشَخْصا لُحْتَ لي أمْ مُخَازِيَا « 1 » تَظُنُّ ابْتِسَامَاتِي رَجَاءً وَغِبْطَةً * وَمَا أنَا إلّا ضَاحِكٌ مِن رَجَائِيَا وَتُعجِبُني رِجْلاكَ فِي النَّعْلِ ، إنَّني * رأيْتُكَ ذَا نَعْلٍ ، إذا كُنْتَ حَافِيَا وَإنّكَ لا تَدْرِي ألَونُكَ أسْوَدٌ * مِنَ الجَهْلِ ، أمْ قَدْ صَارَ أبْيَضَ صَافِيَا وَيُذكِرُنِي تَخيِيطُ كَعْبِكَ شَقَّهُ * وَمَشيَكَ في ثَوْبٍ مِنَ الزَّيتِ عَارِيَا « 2 »
( 388 : 2 - 389 ) لقد رسم الشاعر لكافور في هذه الأبيات رسما كاريكاتوريا ساخرا ، تصدّى فيه له وتمثّل به شدة نقمته عليه . فإن أشبهت هذه الصور في بعض الأبيات بالصور التي رسمها ابن الرومي من تلك النماذج المشوهة التي ألفناها سابقا ، إلا أنها تدلنا على قصور الشاعر عن ابن الرومي قصوراً بيّنا في استنباط معاني الهزء والسخرية واللؤم . ويصوّره في موضع آخر من ديوانه بصورة كاريكاتورية ، فيقول :
مِنْ كُلِّ رَخْو وِكَاءِ الْبَطْنِ مُنْفَتِقٌ * لافِي الرِّجَالِ وَلا النِّسْوانِ مَعْدُودُ إن امرأ أمة حُبْلى تُدَبِّرُهُ * لمستضامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ وَإنّ ذَا الأسوَدَ الْمَثْقُوبَ مِشفَرُهُ * تُطيعُهُ ذِي الْعَضَاريطُ الرَّعَادِيدُ « 3 »
( 399 : 2 ) في هذه الأبيات رسم الشاعر كافوراً رخو البطن منفتقاً ، وبالغ في قوله لا هو في الرجال ولا هو في النساء ، كما لجأ إلى السخرية في هذا الرسم ، حيث جعله مثل امرأة حبلى في هيئته وسمنه ، ومع ذلك يحكم مصر كلها ويدبر أمرها ويملك الزمام فيها . وفي موضع آخر من ديوانه ندّد تظاهر الخلفاء والأمراء بالحكمة والحنكة والمعرفة ، بينما كانوا في الواقع أغبياء غافلون ، فرسم لهم صورة الأرانب التي تفتح عيونها ، إلا أنها نائمة في الحقيقة . فيقول :
أرَانِبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ * مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهُمُ نِيَامُ
هامش
( 1 ) - المين : الكذب . المخازي : واحدتها مخزية : الفعلة القبيحة . ( 2 ) - يقول : إنّ تخييطك لكعبك يذكرني بالشقوق التي كانت به والأيام التي كنت بها تمشي عاريا . ( 3 ) - العضاريط جمع عضروط : هو الذي يخدم بطعامه . الرعاديد جمع رعديد : الجبان .