بعد المعتصم ، إذ فتح للأتراك باب السيطرة على الأمور واعتمد عليهم في تدبير ملكه وإدارة ولاياته ، فأخذ الأتراك بعده يسيطرون على الخلفاء ، بل يقتلونهم ويسملون عيونهم أحيانا ، ويستبدلون بهم غيرهم أحيانا ( انظر : كردعلي 434 : 2 ) ، فبدأو بقتل المتوكل بن المعتصم ( انظر : أبو الفداء 41 : 1 ) واستضعفوا من جاء بعده ، فكانوا بين أيديهم كالأسرى .
أما المتنبي فهو أيضا قد نشأ في هذا العالم المضطرب المتناقض الغارق في الصراعات السياسية ، فقد وعى بذكائه ألوان هذا الصراع وقد شارك فيه وتكوّنت له عقيدته السياسية التي تتلخص في استرداد السيادة العربية ، ودفعه دهاؤه السياسي والاجتماعي إلى معرفة طبيعة الدولة السياسية والوقوف على الساحة المكانية التي أشرفت وتشرف عليها هذه الدولة ، كما عرف قدر نفسه ورآها أحق بالسيادة من سادة عصره وأجدر بالتكريم من أولئك الذين شرفتهم المراتب لا الأحساب والمواهب . وهو بالرغم من تفتق مواهبه الفذة في الشعر ، فقد قام منذ نشأته بأداء رسالة قد تكون رسالة سياسية وقد تكون رسالة عقائدية أو مزيج من هذه وتلك ، فالسياسة مبثوثة في ثنايا أشعاره ، وفي كثير منها هي محور قصائده ، حيث أراد أن يكون زعيما أو أميرا واتّخذ الشعر وما وراءه من الفصاحة والبيان ، أداة لهذه الإرادة وإن ألزمته الوقائع إلى التراجع عن حلم الإمارة السياسية إلى حلم الإمارة الشعرية .
ومن أجل هذا الطموح السياسي اقترب إلى الحكام والأمراء ، ثمّ فارقهم . وذلك هو الذي كان يغيظه ويغضبه ويدفعه إلى التهور أحيانا وإلى المواقف الحادة التي انعكست في شعره ولا سيما في هجائه . مثلما رأيناه في هجائه الكاريكاتوري لكافور الإخشيدي الذي كانت بغية أبي الطيب من ذهابه إليه ومدحه له « أن يحقق عنده حلم الإمارة الذي ما برح يراوده ويتقمص حالات شتى في نفسه وفي شعره » ( حاوي 602 ) ، وكان شديد الأمل في ذلك عظيم الرجاء ، ولكن رجاءه خاب وتحوّل الشاعر عن مدحه الزائف المزور إلى هجاء ساخر كاريكاتوري ، عبّر فيه عن نقمته وحقده عليه وعلى عصره المختل . ولعلّ أجمل شعر أبي الطيّب الهجائي هذا الهجاء الذي قاله في كافور ، لأنّه كان وليد رواسب نفسية بعيدة الغور كثيرة التعقيد ، ونجد فيه صفاء مشاعر الشاعر ورقة عواطفه . فيقول :
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 205
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٢٠٥