تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
جميلا ، ليسخر من الخليفة الذي أخذ بدفة الحكم غير جدير بها ، كما يسخر الناس من عجوز تتزين . أمّا ابن الرومي فهو أيضا يرسم لبني العباس تصويرا ساخرا يظهر فيه تعاطفه مع العلويين حيث يقول :
أفِي الْحَقِّ أن يُمْسُوا خِمَاصاً وَأنْتُمُ * يَكَادُ أخُوكُمْ بِطْنَةً يَتَبَعَّجُ « 1 » تمَشُّونَ مُخْتَالِينَ فِي حُجُرَاتِكُمْ * ثِقَالَ الخُطَى أكْفالُكُم تَتَرَجْرَجُ وَلِيدُهُمُ بَادِي الطَّوَى وَوَلِيدُكُمْ * مِنَ الرِّيفِ رَيَّانُ الْعِظَامِ خَدَلَّجُ « 2 »
( 28 : 2 - 29 ) فالشاعر في هذه اللوحة يقارن بين العباسيين والعلويين مقارنة كاريكاتورية ، ويرسم بطون العباسيين تبعّجت من كثرة الأكل ، لذلك فهم ثقال الخُطى ، أمّا العلويون فقد مسّهم الجوع والضنك . وسيرا في اتّجاه الهجاء الكاريكاتوري السياسي نجد أنّ بعض الشعراء قد رسم في أهاجيهم صوراً كاريكاتورية هجائية نجد فيها نقدا سياسيا لضعف الخليفة ، وهوان أمره ، ووجوده كألعوبة بيد القواد المسيطرين . من ذلك ما صوّره أحدهم للخليفة ، المستعين بالله ، ابن المعتصم ، حين وجده كالطائر المحبوس في قفص ، يردّد ما يمليه عليه القائدان المتنفذّان ، إذ قال :
خَليفة في قَفَص * بَيْن وَصيفٍ وَبُغا « 3 » يَقُولُ مَا قَالا لَه * كَما تَقُولُ البَبّغَا
( أنظر : السيوطي 358 ) فنلاحظ في هذه الصور الشعرية الهجائية ، ملاحقة الشعراء الخلفاء ودولتهم والإشارة إلى ضعفهم وعدم قدرتهم في السيطرة على الأمور وإلى سخف ما يقومون به من تعيينات ، ليفرّغوا ما تبقّى في نفوسهم من ألم وحقد . فلا شكّ أنّ موقف الشاعر في رسم هذه الصورة الساخرة يرجع إلى ما تشير إليه المصادر التاريخية من الضعف الذي دبّ في الخلافة العباسية
هامش
( 1 ) - الخماص : الضامر . البطنة : الامتلاء المفرط من الأكل . ( 2 ) - الخدلج : الممتلئ الذراعين والساقين . ( 3 ) - وصيف وبغا : قائدان تركيان .