أنَّى يَكونُ ، وَلَيْسَ ذاكَ بِكَائِن * يَرِثُ الخِلافَة فَاسِقٌ عَن فَاسِق
( 116 )
في البيت الأول يشير دعبل إلى عقيدته الشيعية التي استمد جرأته فيها من حبّه لآل البيت ، حيث اعتقد أن معظم الخلفاء العباسيين فاجرون فاسقون . فقد هاجم كلّ من بايع إبراهيم واتهمهم بالطيش والحمق . أما في بقية الأبيات فنلمس لونا من التصوير السياسي الساخر ، تمثل في حكومة المغنين واحداً تلو الآخر ، فإذا صحّت الخلافة لإبراهيم ، فولاية العهد تكون لمخارق ، وتصلح فيما بعد لزلزل والمارقي ، وكلهم من مغني ذلك العصر . ولاشكّ أنّ التصوير الكاريكاتوري في هذين البيتين ليس واضحا ، لكن هذا الأمر من طبيعة الصور الكاريكاتورية المتعلقة بالشؤون السياسية التي تتعقّد أكثر بكثير من القضايا الأخرى ، لأنها تقوم بالتركيز على فكرة أو عقيدة سياسية لا يمكن رؤية مبالغتها ، كما نراه في الصور المتعلقة بملامح الوجه ، وإن اختلفت بعض هذه الصور عن بعض في خصائصها الكاريكاتورية ومستوى السخرية فيها . وليس ببعيد عن أجواء هذا الاختلاف ما نجده في ديوان دعبل من الصور الهجائية التي رسمها لإبراهيم بن المهدي - عم المأمون - وتتضمّن نقدا جمع فيه بين الهجاء والكاريكاتور . منها تلك الصورة التي أخذ مضمونها دعبل من هذه الواقعة وهي : أنّ جند إبراهيم قد اجتمعوا حوله يطالبونه بالمعاش ، فماطلهم مدة وبعد يأسهم أحاطوا بقصره في بغداد مهددين متوعدين ، فأعلمهم الخليفة ( المغني ) أن لا مال لديه . . . فانبرى أحد الظرفاء من بين الجند وطلب من إبراهيم أن يغنى لأهل الرصافة « 1 » ثلاثة أصوات أي ثلاثة ألحان ولأهل الكرخ « 2 » ثلاثة أصوات بدل المعاش . فأخذ دعبل هذا المعنى ونظمه شعرا وقال متهكما :
يَا مَعْشَرَ الأجْنَادِ لا تَقْنُطُوا * وَارْضوا بِمَا كانَ وَلا تَسْخَطُوا
فَسَوْفَ تُعْطَوْنَ حُنينيَّةً * يَلْتَذُّهَا الأَمْردُ وَالأشْمَطُ « 3 »
هامش
( 1 ) - حي من أحياء بغداد .
( 2 ) - حي من أحياء بغداد .
( 3 ) - الأشمط : الأشيب .