تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
فَلَيْتَ لَنا مَكانَ الْمَلْكِ عَمْرو * رَغُوثاً حَوْ لَ قُبَّتِنا تَخُورُ « 1 » مِن الزَّمِرَاتِ أسْبَلَ قَادِمَاهَا * وَضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ « 2 » يُشَارِكُنَا لَنا رَخِلانِ فِيهَا * وَتَعْلُوها الكِبَاشُ فَما تَنُورُ لَعَمْرُكَ إنَّ قَابُوسَ بْنَ هِنْدٍ * لَيَخْلِط مُلْكَهُ نُوكٌ كَثِيرُ
( 45 ) وغاية الشاعر السياسية في هذه الأبيات تدور حول خمول ذلك الملك بحيث يُؤْثَر عليه نعجة تقوم مقامه ، غير أنّه لا يكتفي بذكر النعجة فقط ، بل يصوّرها في صورة ساخرة تمييزا بينها وبين الملك المهجو . إذ هي قد تفيد بما تدرّ من لبن وما تضع من ولد وما ينزو عليها من فحول . أما ذلك الملك ، فلا طائل لحياته ولا معنى . ومثل هذه الصور الساخرة ، ما نراه في هجاء الأعشى ضد الفرس وكسرى ( انظر : الديوان 107 ) . غير أنّ هذه الأهاجي قد مزجت بالفخر وطغت عليه الحماسة حين يصور الشاعر قوة قومه مفتخرا ، ثمّ غلبه الغضب حين يتجه إلى عدوّه ناقما متهددا بالصور الكاريكاتورية التي لا تخلو من الفخر والحماسة . فلمّا جاء الإسلام سعى إلى إبطال العصبية القبلية وجعل من المؤمنين مواطنين ومن دينهم وطنا جديدا ودعا المسلمين إلى الاشتراكية الفعلية في كل أمورهم الدينية والاقتصادية والاجتماعية وأبطل ما ورثوه من الأمور الجاهلية . وإذا بحثنا عن الأهاجي السياسية في هذا العصر وجدنا أنها قد تتخطى في معظمها النزعات القبلية وتترفع عن الفكرة القبلية الضيقة ، لتصور نظرة أوسع وأشمل أفقا من الناحية السياسية . وفي هذه الأهاجي نرى بعض الصور الساخرة للذين قاموا بالأعمال السياسية ، ومنهم ابن الزبير الذي قال فيه الضحاك بن فيروز الديلمي ، ساخرا مما كان لا يزال يقوله للناس : « إنما بطني شبر ، فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا ، وأنا العائذ بالبيت » ( المسعودي 91 : 3 ) ، فقال فيه :
تخب‌ّرنا أن سوف تكفيك قبضة * وَبطنُك شِبرٌ أو أقلُّ من الشِّبْر
هامش
( 1 ) - الرغوث : هي النعجة المرضع . تخور : تصدر صوتا . ( 2 ) - الزمرات : صفة للنعاج التي قل صوفها بيد أنها تكون أغزر لبنا . المركنة : التي لها جوانب وأصل . الدرور : صفة تعني كثرة درّ اللبن .