المفهوم السياسي في الحياة الجاهلية كان ضيقا جدا ، يقف عند انتصار القبيلة أو انكسارها في الغارات التي كانت تتعاقب لضرورة العيش والحياة وضيق السبل وقلة المال والمرعى . و « كانت قوة السياسة عند الشاعر خلال الأزمات تقع في شدة حفظه للأنساب والأحساب ، لأنّه يصرّف لسانه فيها فيتناول عدوّه ، وينزل به أشد النكبات كلما توسع في هذه المعلومات وقلب قوله فيها » ( الدهان 57 ) . ولم يصل إلينا من شعر الهجاء الكاريكاتوري السياسي شيء كثير خلال الحياة الجاهلية ، إلا ما تسرب إلينا من هجاء النابغة الذبياني في هجائه القبلي وفي دفاعه عن أحلاف قبيلته بني أسد . إذ كان العامريون والعبسيون يحاولون أن يفكّوا الحلف بين الأسد وذبيان ، وكان النابغة يناصر قومه في تعزيز هذا الحلف هاجيا بشعره الأعداء ، منهم عيينة الذي حاول الإيقاع بين الأسديين والذبيانيين . فيسخر من عيينة ويمسخه ويصوّره بصورة كثيرة التشويه ، إذ يقول :
كأنّك مِنْ جَمال بَني أقَيش * يُقَعقَعُ ، خَلفَ رِجلَيْه بِشَنِّ
تَكونُ نَعامَة طَوراً ، وطَوراً * هَو يَّ الرِّيح تَنسِجُ كُلَّ فَنِّ
( 194 )
فالنابغة بمقدرته الشعرية يصرّح أنّ عيينة جبان أحمق لتضاءل تأثير قوله ، فتوسّل بتمثيل عيينة بالجمل الذي يخشى من القعقعة وراءه وهذا يدلّ على شدة جبن عيينة فضلا عن غبائه وعدم تبصره بالأمور ، فظنّ أنّه لم يزر به زراية تشبع نقمته ، فاستعاد المعنى ذاته ، ولكن بشكل جديد فرسمه كالنعامة التي تدفن وجهها في التراب عند الجبن وتتوهم أنها نجت من المصيبة ، إلا أنها تدلّ على جهلها وحمقها ، عندما طمرت وجهها . والجبن في عيينة الموصوف هنا ، جبن ساكن لا يعبر في سكونه إلا عن الجبن والنابغة يعلم أنّ السكون لا يقول شيئا ، وعندما تتفجر حركته يستطيع أن يقول الكثير ، فيمكن أن تكون الحركة هنا خاصة في فن الكاريكاتور الهجائي ، وفّقت النابغة إلى تجسيد عيوب مهجوه بمايرسمه من الصور المتحركة التي تتميّز بالسخرية الحادة والاقتحام المحقر .
وقد تجلّى الهجاء الكاريكاتوري السياسي في أسمى مواقفه عند طرفة بن العبد ( وهو من شيبان البكري ) فهجا النعمان بقوله :