وهكذا لقد ألم أبو نواس في قصائده بالشعوبية وتوسّل بالصور الكاريكاتورية في سبيل تحقير العرب خلال خمرياته . وفي بعض الأحيان قد قرب فيها إلى الصور التي رسمها بشار ، حيث ذكر عيشهم الحقير في الخيام ، يأكلون الضب ويشربون من المستنقعات . منها قوله :
مُعَاقِرَةُ الْمُدَامِ بِوَجْهِ ظَبْي * حَوَى فِي الْحُسْنِ غَايَاتِ الرّهَان
إذَا مَا افْتَرَّ قُلْتُ خَطُوفُ بَرْقٍ * وَإمَّا اهْتزَّ ، قُلْتُ قَضِيبُ بَان
ألَذَّ إلَيَّ مِنْ عَيْشٍ بِوَادٍ * مَعَ الأعْرَابِ مَجْدُوبِ الْمَكَان
قُصَارَى عَيْشِهُمْ أكْلٌ لِضَبٍّ * وَشُرْبٌ مِنْ حَفِيرٍ فِي شِنَان « 1 »
( 96 )
فكل هذه الصور التي رسمها أبو نواس في هجائه الشعوبي ، وجه من وجوه إلحاحه بالزراية على العرب ، وجزء يستحيل فصله عن خمرياته ، لأنّه « يلمّ بها في مطالع قصائده ، ثم ينصرف بعدئذ ، إلى وصف الخمرة ليقابل بينها وبين الطلل وما أشبه » ( حاوي 472 ) .
وهكذا نرى أن الهجاء لم يكن في شعر أبي نواس وغيره من الشعراء الكاريكاتوريين ، وفقا للسنة المتداولة القديمة ، بل بأسلوب كاريكاتوري يعبرون فيه عن آرائهم في الحياة الاجتماعية ، فيمكننا أن نستشف في أهاجيهم نوعا من الهجاء الاجتماعي الجديد الذي يمثّل ثقافة عصرهم . ورغم أننا نجد في أهاجيهم الاجتماعية هذه ، بعض النماذج من الصور الكاريكاتورية الهجائية للأشخاص ، إلا أنها لم تكن غايتها تصوير الأفراد والشخصيات فحسب ، بل كانت سخريات ضاحكة من الضعف الاجتماعي البشري على وجه العموم غير موجهة إلى الأشخاص بالذات . كما تقول بإرث على أنّ « الصور ليست هي الأشياء التي تمثلها ، وإنما استعملت لتقول شيئا آخر » ( مارتين جولي 72 ) . فيستوجب تحليل هذه الصور الشخصية لفضح معانيها ، وذلك بالكشف عن المجالات التي تستعمل فيها ، ثمّ توسيع المعارف في هذه المجالات وأيضا معرفة نفسية الشاعر الكاريكاتوري وإدراك كلامه لكي يتسنى لنا تحليل الصورة التي رسمها .
فمما سبقنا من الأشعار الهجائية يظهر جليا أنّ الصور الكاريكاتورية في الهجاء الاجتماعي
هامش
( 1 ) - الشنان ج الشَن : القربة الخَلَق الصغيرة .